تناولت في الجزء الأول من المقال المعضلات والتحديات التي واجهت بناء الدولة الوطنية في السودان بعد حقبة الاستعمار، وكيف تأثرت الدولة بالتحولات الجيوسياسية العالمية والإقليمية، وقاد كل ذلك إلى ما نحن فيه اليوم.
ووقفنا أيضًا على موقع الدولة عندما تقع في منطقة استراتيجية تتنافس حولها القوى العظمى، ورأينا كيف انتهت الدول في تلك الحالة وتحول البلد فيها إلى ساحة معركة.
نواصل في هذا الجزء الثاني من المقال لنرى كيف تتحول موارد البلاد إلى لعنة.
ومن خلال ذلك يمكننا تصور السودان الذي يجمع بين الموقع الجغرافي والثراء في الموارد، مع حروب أهلية طويلة وعدم استقرار سياسي.
نجد ان امتلاك الدولة للموارد، مع وجود صراعات داخلية على السلطة والنفوذ بين النخب السياسية، دون خطوط وطنية عليا، فتمثله تجربة أنغولا، وهي تجربة جديرة بالتدبر والدراسة.
بالإضافة إلى كونها كانت هي الأخرى ساحة معركة للقوى العظمى في الحرب الباردة، بيّنت أيضًا التناقض الكبير عندما تتعارض المصالح مع الأيديولوجيا.
مثل كثير من الحروب الأهلية الصغيرة في فترة الحرب الباردة، التي بدأت بصراع حول السلطة والامتيازات داخل الدولة ثم تحولت إلى حرب أهلية طويلة، خاضها وكلاء محليون للاتحاد السوفيتي الشيوعي والولايات المتحدة الرأسمالية.
دعم الاتحاد السوفيتي وكوبا الحكومة التي كانت تقودها الحركة الشعبية لتحرير أنغولا.
والأمر المثير للسخرية أن زعماء الحركة هم أبناء العائلات البرجوازية الرأسمالية الغنية في أنغولا، التي اغتنت من العبودية والتجارة، لكنهم لم يجدوا مشكلة في التظاهر بأنهم يمثلون الطبقة العاملة والفلاحين في أنغولا، إذا كان ذلك هو الثمن الذي يجب أن يدفعوه لاستمرارهم في حكم أنغولا.
في الجانب المقابل، دعمت الولايات المتحدة الأمريكية، وجنوب أفريقيا إبان نظام الفصل العنصري، الإتحاد الوطني للاستقلال التام لأنغولا بقيادة جوناس سافيمبي.
بدأ الدعم الأمريكي لحركته سريًا منذ مطلع السبعينيات، لكنه تحول في منتصف الثمانينيات إلى دعم رسمي ومعلن، بتخصيص ملايين الدولارات سنويًا كمساعدات.
وفي الواقع، تشير التقديرات إلى أن وكالة الاستخبارات المركزية كانت الجهة التي تدير تلك المساعدات.
أما على المستوى الدبلوماسي المعلن، فكان الخطاب الأمريكي يؤكد باستمرار أن الحرب في أنغولا عصية على الحسم العسكري من أي من الطرفين.
ولذلك روّجت واشنطن لتسوية سياسية تفضي إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية.
جسّدت نظرية “عدو عدوي صديقي” تناقضًا ساخرًا في أنغولا؛ ففي حين اعتمد النظام الحاكم على الدعم السوفيتي المكثف للبقاء، كان يُحكِم قبضته داخليًا بفضل عائدات النفط التي تستخرجها شركات النفط الأمريكية، رغم أن عملياتها ذاتها كانت تتعرض لهجمات من متمردي “يونيتا” المدعومين أمريكيًا.
مثّلت أنغولا أحد أكثر مسارح الحرب الباردة غرابة ودموية في آن.
ومع أفول الحرب الباردة، أجرى الحزب الحاكم تحولًا جذريًا بتخليه عن الواجهة الماركسية.
بموجب ذلك قدّمت واشنطن تسهيلات لإنجاز تسوية سياسية، لكنها واصلت دعم حليفها جوناس سافيمبي ودفعت به للمشاركة في انتخابات ديسمبر 1992م، مراهنةً على فوزه.
غير أن تقديراتها خابت، حيث خسر سافيمبي الانتخابات، ورفض النتائج وعادت البلاد إلى أتون الحرب أكثر شراسة.
حرصًا من الأمريكيين على تأمين مصالحهم النفطية، غيّرت الولايات المتحدة سياستها، وتخلت عن شعارها الذي كانت تروّج له سابقًا بأن الحرب غير قابلة للحسم من أي طرف من طرفي النزاع، ودعمت الحكومة، التي شنت هجومًا واسعًا، وطردت حركة سافيمبي.
التي كانت قد استغلت الهدنة وفترة وقف إطلاق النار، وحوّلت نفسها من حركة حرب عصابات إلى حركة تقاتل بالدبابات والمدفعية، وذلك مكنها ان تسيطر على المدن والمطارات.
لكن بعد أن تخلى عنها الأمريكيون، وفقدت الدعم من خارج أنغولا، وقطعت الحكومة كل خطوط الإمدادات، بدأت الحركة تدريجيا تفقد المواقع واحدة تلو الأخرى لصالح الحكومة.
وتراجعت الحركة أبعد فأبعد شرقًا وجنوبًا، إلى الأراضي القاحلة في وسط أفريقيا.
في النهاية زوّدت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية الحكومة بمعلومات استخباراتية دقيقة وبموجبها، في 22 فبراير 2002 أعلنت الحكومة الأنغولية أن سافيمبي قد قُتل.
بموت سافيمبي ماتت حركته، لأنها بالفعل كانت قد ماتت منذ أمد بعيد في قلوب الناس.
لم تعمل حركته على كسب قلوب وعقول العامة، بل أجبرتهم بوحشية على القتال إلى جانبها، ومارس رجاله أبشع أنواع الاستغلال والقهر ضد من يدّعي تمثيلهم.
حيث أجبرت قواته الملايين على الفرار من مناطقهم، وحاصرت المدن والبلدات في سياسة تجويع جماعي حتى تستسلم، وأسقطت طائرات الأمم المتحدة والصليب الأحمر التي كانت تنقل المساعدات الغذائية لضحايا الحرب.
وعلى الأرض، زرع جنوده الألغام حول القرى وعلى الطرقات المؤدية إلى المزارع والحقول، بينما كان سافيمبي يلاحق آخر خيوط حلمه بأن يصبح رئيسًا لأنغولا؛ فالعبرة هنا ليست في موت سافيمبي، فتلك سنة الحياة، العبرة في الحرب الدموية التي خاضها ضد شعبه، حوّل بموجبها بلده إلى ساحة معركة تتصارع فيها القوى الكبرى.
وفي نهاية المطاف كان هو نفسه ضحية التحولات الجيوسياسية، ومن نفس الأيادي التي كانت تدعمه في السابق.
تبين لنا هذه التجارب أنه عندما يتعلق الأمر بالوطن، فالمعارضة أيضًا مسؤولة هي الأخرى عن مصيره.
فطالما وضعت نفسها على أنها تمثل توجهًا سياسيًا أو رؤية سياسية داخل الوطن، فإنها سوف تتحمل ما ستؤول إليه الأوضاع في المستقبل.
فالجماعات المعارضة في السودان التي اختارت شعار “لا للحرب” ونأت بنفسها عن الخوض فيها أو الاصطفاف خلف طرف من أطرافها كما يدّعي بعضها، أعتقد أن فعلها هذا جانبه الصواب في هذه الحالة، لأن التحولات الجيوسياسية والاستراتيجية التي أشرنا إليها أبانت أن الحسابات السياسية الخاطئة للمعارضة لها تأثير مدمر على بقاء الأوطان.
لأن تأثيراتها لا تقتصر فقط على أولئك الذين نعارضهم أو نعارض نظام حكمهم، بل تمتد لتؤثر بصورة مباشرة على الدولة نفسها ككيان.
في هذه الحالة، فإن الجميع خاسر.
صحيح أن القوى السياسية والثورية والجماعات الديمقراطية المدنية قد سعت طوال العهد الوطني إلى إقامة نظام ديمقراطي مدني، يحقق الاستقرار ويوفر حياة كريمة للسودانيين، ويحقق قدرًا من الإجماع الوطني الغائب منذ الاستقلال، وقدمت في سبيل ذلك تضحيات لا يمكن تجاهلها أو التقليل منها.
وبفضل نضالات هذه القوى السياسية، يُعتبر السودان من بين دولتين فقط في إفريقيا جنوب الصحراء قامت بانتفاضات شعبية أطاحت بنظام الحكم في البلاد، بجانب ساحل العاج 2001، عندما نشر الجنرال روبرت غي قواته في الشوارع محاولًا البقاء في الحكم، لكن جموع الشباب المؤيدين للوران غباغبو أحبطت محاولته.
وللسودان الرقم القياسي في الثورات؛ بثلاث ثورات شعبية: الأولى كانت في عام 1964م المعروفة بثورة أكتوبر التي أطاحت بالجنرال إبراهيم عبود، والثانية كانت في عام 1985م المعروفة بثورة أبريل التي أطاحت بالمشير جعفر محمد نميري، والثالثة كانت في عام 2019م المعروفة بثورة ديسمبر التي أطاحت بالمشير عمر حسن أحمد البشير.
وجميعها فشلت في إقامة ديمقراطية وحكم مدني مستقر.
مرارة عرقلة وتقويض جميع تلك المحاولات نحو إقامة حكم ديمقراطي خلقت إحباطًا ويأسًا كبيرين وسط القوى السياسية، تجلت بصورة واضحة في هذه الحرب، حيث صوّرت تلك القوى أن الحرب نفسها قامت لعرقلة جهودها في التمهيد لتحول ديمقراطي، وأن فشل الانتقال كان مؤامرة على الثورة التي أطاحت بالنظام السابق، وذلك بتواطؤ من داخل أجهزة الدولة نفسها بالتنسيق مع المستفيدين من النظام السابق، أو بتدخل من بعض دول الجوار الإقليمي.
بالطبع، لا يمكن إنكار دور التدخلات الإقليمية، فالتحولات الجيوسياسية والاستراتيجية لعبت ولا تزال تلعب دورًا محوريًا في التأثير على الشأن الداخلي للسودان.
وهو أمر ظلت القوى السياسية تنظر إليه دائمًا بعين العداء والشك والريبة، لا بعين الواقع الذي يجب التعامل معه وفق مصلحة البلاد العليا، وذلك بإنتاج حلول استراتيجية مضادة تحصّن البلاد من التدخلات الضارة بأمن الوطن وسلامته.
فمرارة عرقلة التحول الديمقراطي لا يمكن أن يكون ثمنه فقدان الوطن بأكمله.
الموقف الذي سارت فيه القوى السياسية، موقف “لا للحرب” أو الحياد، لن يوقف الحرب وحده ولن يحقق استقرارًا ولا يبني مستقبلًا، ولا يحمل أي رؤية نحو الغد.
صحيح أن الحرب اندلعت نتيجة لانسداد أفق الحل السياسي وانعدام البصيرة، لكن إيقافها مرهون بموازنات تختلف عن تلك التي قادت إلى اندلاعها.
فموقف الحياد كان موقفًا رومانسيًا أكثر من كونه موقفًا سياسيًا لجماعة سياسية تمثّل مصالح قطاع واسع من الشعب كما تدّعي، أو تمثّل قوى الثورة بعبارة أخرى؛ فمشروعية الوجود السياسي لأي كيان ليست في شعاراته وحدها، بل في موقفه تجاه أولئك الذين يدّعي تمثيلهم، أو أولئك الذين يمثلهم بالفعل.
النظر إلى الدولة ككل بعين الخصومة يجعل المعارض خارج دائرة الفعل تمامًا، عندما يحين موعد الممارسة الفعلية لوكالة التمثيل.
يومها، الذي وقف مع الجماهير في معاناتها يوم الشدة، الذي ناصرها يوم محنتها بالقول أو الفعل، ودافع عنها، هو الذي تكون لديه الشرعية، وليس ذلك الذي اختار النأي بنفسه والوقوف بعيدًا حتى ينجلي غبار المعركة، ويأتي ليقول إنه الممثل الشرعي للجماهير.
الأمور لا تسير هكذا في السياسة.
مهمة السياسي والقوى السياسية دائمًا هي إيجاد الحلول للمعضلات الوطنية التي تواجه مسيرة بناء الأوطان.
كل ذلك الخذلان يحوّله السياسي إلى دروس وعبر، يشق من خلالها طريقًا للمستقبل.
فالحرب قد تنتهي في يوم من الأيام، تلك حقيقة معلومة.
لكن يوم تقف الحرب من دون رؤية واضحة من القوى السياسية، فإنه من المحتمل أن تذهب البلاد في نفس المسار السابق.
فالتجارب التي لا تورّث دروسًا وعبرًا تكرر نفسها، والعقل السياسي الذي يسير في نفس الطريق، وينتظر نتائج مختلفة، يعبّر عن عجز فكري وحيرة وجودية.
لن تُحل مشكلتنا عبر تصورات خيالية دون الاستناد إلى الواقع، والواقع مختلف تمامًا عما تردده الجماعات السياسية.
المؤتمرات الخارجية واللقاءات الإسفيرية لا تجدي نفعًا، ولو كان ذلك يجدي نفعًا لكان السودان في مصاف الدول المتطورة، نسبة لعدد المؤتمرات التي عُقدت بخصوص السودان.
ولو أن الكلام وحده يحل أي شيء، لكانت مسألة السودان قد حُلّت منذ سنوات.
قبيل الدخول في المفاوضات مع الحكومة بعد سقوط النظام السابق، كنت برفقة القائد الرفيق مالك عقار في مناطق الحركة، وكانت النقاشات تدور حول ما إذا كان الذهاب إلى المفاوضات أمرًا صائبًا.
بعد سنوات من الخصومة والعداء خلفت مآسي ومرارات، وتركت انطباعًا باستحالة التوصل إلى سلام وتعايش مرة أخرى مع نفس المجموعة الحاكمة.
في خضم تلك النقاشات سألت القائد مالك عقار، إن كان يرى أنه يمكن التوصل إلى سلام دائم في البلاد.
سكت الرجل طويلًا ثم قال: “لقد أمضينا سنوات في التركيز على المسائل التي نختلف حولها، بينما كان ينبغي أن ننمّي المسائل المشتركة بيننا وهي أكبر وأكثر.
إذا عقدنا العزم واتجهنا جميعًا، حكومة ومعارضة، بعد كل هذه الأشياء السيئة التي حدثت، نحو إنتاج مقاربات جديدة تتجاوز تلك التي أسسنا من خلالها منظورنا السياسي القديم، إلى نظرة أشمل وأوسع، في الإطار الوطني الشامل، وذلك ببناء دولة مؤسسات، تقوم على مبادئ أساسية: دستور دائم ومقبول يحافظ على حقوق جميع السودانيين، وإدارة التنوع في البلاد بعدالة، وجيش نظامي واحد ينهي حالة تعدد الجيوش، والمحافظة على وحدة ما تبقى من السودان، قد نصل إلى حلول مستدامة”.
ولكن من الواضح أن الأمور حتى الآن لم تسر في ذلك الاتجاه؛ لا أدري إن كان ثمة متسع من الوقت لتحقيق تلك الأهداف.
مهما يكن، فإن أي رؤية قائمة على قراءة سيرورة التاريخ وتحليل وقائع الواقع تبقى هي الدليل الذي يقود نحو المستقبل، مع مراعاة فارق الزمن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك