عادة ما تكون معارض الكتاب الدولية والمحلية فرصة لتجديد اللقاء بين الكاتب وجمهوره، ولإظهار مدى الإقبال على الكتاب شراء وقراءة ونقدًا، ولاسيما مع الروايات والدواوين والكتب المتخصّصة العميقة.
لكن يشتكي كل من المؤلف والناشر اليوم على حد سواء من عزوف القراء بجميع أصنافهم عن معارض الكتب عمومًا، وعن الكتب الطويلة والمتخصصة بشكل أخص.
لذا فإنّ ما نلحظه اليوم من هجر متزايد للكتاب بجميع أنواعه، ومن عموم القراء وخاصّتهم لا يبعث فقط على الحيرة، بل يطلق صفارات إنذار خطيرة تستوجب البحث عن الأسباب قبل أن تتمادى الكارثة.
ولعلّ من أسباب تراجع القراءة لدى المثقفين، في عصر السرعة وعصر التحولات الرقميّة والانفجار المعلوماتي، انشغالهم بـ “التنبيهات” المستمرّة التي صمّمتها الخوارزميات في الهواتف الذكيّة لكسر التركيز الطويل، وهو ما يجعل صمودهم أمام 300 صفحة من الكتب الورقية أو الرقمية تحدّيًا حقيقيًّا للفكر والأعصاب في آن واحد.
ومع تسارع إيقاع الحياة لدى كثير من المثقفين تحوّلت القراءة الطويلة والعميقة إلى واجب ثقيل أو ربما “رفاهية زمنية” لا يملكها المثقّف المنشغل بالبحث عن لقمة العيش وملاحقة الأحداث المتسارعة.
واكتفى كثير من المثقفين بملخصات الكتب أو “الثريدات” على منصات التواصل، أو الاستماع لـ “بودكاست” أثناء القيادة معتقدًا أنها بديل كافٍ عن الغوص في الكتب الأصلية.
ومن نتائج هجر المثقف قراءة الكتب الطويلة العميقة أنْ صار تحليله للعالم من حوله سطحيًّا؛ إذْ يمتلك “المثقف” معلومات برقيّة في كل شيء، لكنّه يفتقر العمق المعرفي فتضعف فيه القدرة على مناقشة الأفكار المعقدة.
ومن الآثار السلبية كذلك لهذه الهجرة تضاؤل قدراته اللغوية؛ إذْ إن اللغة تتراكم بالمعاشرة الطويلة مع النصوص القيمة ومحاورتها؛ لذا فإنّ الابتعاد عن الكتب يخلّفُ فقرًا لغويًّا، خصوصًا مع انتشار لغة “هجينة” فرضتها وسائل التواصل الحديثة.
إنّ قراءة النصوص الطويلة العميقة - التي نحتاج لها - تساعد على تخزين المعرفة وتفكيكها ومناقشتها ومن ثمّ البناء عليها وتطويرها، أمّا القراءة السريعة التي صرنا عليها فهي على عكس ذلك تمامًا، تجعل المثقف أكثر عرضة للتأثّر بالشعارات الإعلامية والبروباغندا نتيجة غياب الحسّ النقدي والتفكير العميق.
كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك