يقول الله تعالى: «فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِى الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ»، فالإسلام عظَّم من شأن العمل، وأمر به، وجعله بمنزلة العبادة التي يتعبَّد بها المؤمن ابتغاء مرضاة الله، فالإنسان خُلق في هذه الحياة ليسعى ويعمل، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَاماً قَطُّ خَيْراً مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِىَّ اللهِ دَاوُدَ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ».
«اجتهد في كل وقت، افعل أكثر مما هو مطلوب منك، لا تُضِع الوقت إذا كنت قادراً على العمل، مكروه كل من يسيء اغتنام وقته.
لا تهدر فرصة تعزز ثروة بيتك، فالعمل يأتي بالثروة، والثروة لا تدوم إذا هجرت العمل»، هذا المقتطف من النقوش والنصوص المصرية القديمة، فقد كانت الحضارة المصرية القديمة سبَّاقة في احترام قيمة العمل وتقدير العامل، فجعلت من البناء عملاً يحظى بتقدير خاص، ومن العامل شريكاً في الخلود مع الملك.
من هنا يتبين لنا قيمة العمل، لأنه ضمان لكرامة الإنسان، وحفظ وصيانة له، وعلينا تحفيز الشباب على العمل، لتكون يده عليا بالعطاء، فالهدف من العمل ليس كسب المال فقط، وإنما تحقيق الأمن الاجتماعي، فمن لم يشمِّر عن سواعد الجد، ويطرح الكسل والتمني بدون بذل الجهد والعمل الجاد، فلا يلومن إلا نفسه.
في كل عام يطل علينا «عيد العمال» لا بوصفه مناسبة احتفالية عابرة، بل باعتباره لحظة وعي جماعي تعيد التذكير بالحقيقة الكبرى، وهي أن العمل ليس مجرد وسيلة للعيش بل هو جوهر العمران، وأداة صناعة المستقبل والرافعة الحقيقية لنهضة وتقدم الأوطان.
حين يتحول العرق إلى قيمة والإتقان إلى ثقافة والمسؤولية إلى سلوك يومي، من هنا يصبح العامل ليس مجرد فرد في دورة الإنتاج، بل يصير فاعلاً تاريخياً يسهم في رسم ملامح الوطن، وتحديد موقعه في سلم القوة والتقدم والنهضة، فالعمل ليس مجرد أداء لمهام بل بناء للذات، وتعبير عن الانتماء ومشاركة في صياغة المستقبل.
إن الاحتفال بعيد العمال يتجاوز الخطاب التقليدي ليصبح الآن دعوة لدعم الإنتاج الوطني، فكل يد تعمل وكل جهد يُبذل بإخلاص، هو لبنة في بناء وطن أقوى وأكثر قدرة على مواجهة التحديات، فالدولة التي تُنتج وتحسن إدارة مواردها بكفاءة، هي الدولة التي تمتلك أدوات القرار السيادي وتبني قدرتها الذاتية على مواجهة الضغوط والتقلبات الخارجية، وهذا ما قامت به مصر خلال عهد الرئيس القائد عبدالفتاح السيسي لتعزيز قاعدة الإنتاج وتنويع مصادر الدخل، وإعادة هيكلة البنية التحتية بوصفها شرطاً لازماً للانطلاق الاقتصادي.
وقد تجلى هذا من خلال التوسع في المشروعات القومية الكبرى وتطوير شبكات النقل والطاقة ودعم القطاعات الإنتاجية، إلى جانب تبني برامج إصلاح اقتصادي هدفت إلى تحقيق الاستقرار المالي وتحسين مناخ الاستثمار، وارتبط ذلك بمحاولات جادة لتعزيز التصنيع المحلي وتقليل الاعتماد على الخارج، بما يرسخ مفهوم الأمن الاقتصادي كجزء لا يتجزأ من الأمن القومي.
وإذا نظرنا إلى الفرق بين الدول المتقدمة، وغيرها من الدول المتخلفة حضارياً في هذا العصر، نجد أن أهم ما يميز الدول المتقدمة هو اهتمام شعوبها وإخلاصهم في العمل، وأخذهم بأسباب التقدم، مثل اتباع أفضل السبل في الإدارة، وتطوير أساليب العمل والاختراعات العلمية فلا مكان في الصدارة لمتكاسل أو متقاعس، فمن فقد مضمار العمل فقد قيمة وجوده، فمن يعمل بإخلاص يرى في نجاحه امتداداً لنجاحه الشخصي، وأهميته كفرد في المجتمع، وأنه جزء من عجلة التنمية التي تدفع بالمجتمعات نحو الأمام، وليس مجرد كتلة تعيق التقدم أو تثير الفوضى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك