بعض الكتب التي تتناول حدثا تاريخيا لا تكتفي بسرد ما جرى، بل تذهب أبعد، فتلتقط روح مرحلة كاملة، وتعيد تركيبها انطلاقا من حادثة تبدو في ظاهرها محدودة.
وهذا ما يفعله كتاب الصحافي ياروسلاف تروفيموف، الذي صدر بالإنكليزية بعنوان «حصار مكة»، وترجم مؤخرا إلى العربية عن دار الجمل بعنوان: «تمرد جهيمان: القصة الكاملة» بترجمة حمد العيسى.
فمن خلال تتبع خيوط حادثة اقتحام الحرم المكي عام 1979، يتكشف أمام القارئ مشهداً أوسع، حيث تبدو تلك اللحظة وكأنها نقطة التقاء لتحولات سياسية ودينية كانت تتشكل في المنطقة منذ سنوات، قبل أن تنفجر دفعة واحدة في عام واحد.
تبدأ القصة من طهران، في الأول من فبراير/شباط 1979، عاد روح الله الخميني إلى إيران وسط حشود هائلة، معلنا سقوط نظام الشاه، وبدا المشهد وكأنه إعلان نهاية مرحلة كاملة من الحكم الملكي، وبداية زمن جديد تتقدمه الشعارات الدينية.
في واشنطن، كان مستشار الأمن القومي الأمريكي زبيغنيو بريجنسكي يطمئن رئيسه جيمي كارتر إلى أن ما يجري هناك لا يتعدى كونه استثناء محدودا، بينما كانت المؤشرات في أماكن أخرى توحي بعكس ذلك تماما.
في قلب الجزيرة العربية، كانت أفكار تتشكل بعيدا عن الشاشات، في عالم لا يعتمد على الإعلام بقدر ما يعتمد على الشائعات والوعظ والحلقات الضيقة.
هناك، كان جهيمان العتيبي يسمع بما يحدث.
لم يكن جهيمان يشاهد التلفزيون، ولكنه سمع بما جرى في الثورة الإسلامية في إيران، إلا أنه كان يعتقد أن ما حدث في إيران لا يستحق الكثير من الاهتمام، لأن الإيرانيين كانوا شيعة منغمسين، كما كان يعتقد، في هرطقاتهم.
مع ذلك، لا شك في أن الأحداث في إيران، والإطاحة بسلطة ملكية فيها، حفزت جهيمان للمضي قدما في مواجهة أوسع مع السلطة الملكية في السعودية، لكنه كان يبحث عن شرعية دينية ليعلن ثورته كما اعتقد.
جاءت هذه الشرعية من خلال حديثه وإيمانه بقرب قدوم المهدي، وأخذت أحلام تراوده وتراود أنصاره بأن المهدي هو أخ لأحد أفراد المجموعة ويدعى محمد عبد الله.
أخذ جهيمان ومجموعته يجمعون السلاح عبر الحدود مع اليمن، أو من ساحات القتال في الحرب الأهلية اللبنانية.
وأخذت شائعات تنتشر في مدينتي الرياض ومكة تتحدث عن أن المهدي سيظهر بجوار الكعبة بعد الحج.
في فجر 20 نوفمبر/تشرين الثاني، الذي وافق أول يوم من السنة الهجرية الجديدة، سيطر جهيمان ومن معه على الحرم المكي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك