منبر نور مقالات من بظون كتب ونبض الواقعمن عبقرية الفرد إلى ضرورة المؤسسةلم تعد إدارة الدول والاقتصادات في عصرنا الحديث شأنًا يمكن أن يُترك لعبقرية فرد،لقد تعقدت الحياة الاقتصادية،وتشابكت المصالح، وتداخلت العواملحتى أصبح القرار الواحد نتاج عشرات المتغيرات التي لا يمكن لعقل واحد أن يحيط بها.
هنا، كان ظهور الشركات الاستشارية… حتمية تاريخية.
فالعالم لم ينتقل من “الخبير الفرد” إلى “بيت الخبرة” صدفة،بل لأن الواقع فرض ذلك فرضًا.
لحظة التحول الكبرى في الفكر الإداريمع بدايات القرن العشرين، بدأ التفكير الإداري يأخذ طابعًا علميًا على يد رواد مثل بيتر دراكر، الذي أعاد تعريف الإدارة باعتبارها علم اتخاذ القرار في بيئة معقدة.
في كتابه The Practice of Management، وضع الأساس لفكرة أن:الإدارة ليست تنفيذًا فقط…بل تفكيرًا منظمًا قائمًا على المعرفة.
لكن دراكر – رغم عمق طرحه – كان يدرك أن:والقرارات تصبح أكثر تعقيدًاوهنا بدأت ملامح أزمة جديدة:كيف يمكن جمع هذا الكم من المعرفة في قرار واحد؟حدود العقل الفردي… كما كشفها العلمجاءت أبحاث دانيال كانيمان في كتابه Thinking, Fast and Slow لتكشف جانبًا أخطر:أن الإنسان – مهما بلغ علمه – عرضة لـ:أي أن المشكلة ليست فقط في نقص المعلومات…بل في طريقة تفكير العقل نفسه.
إذا كان العقل الفردي محدودًا معرفيًا وسلوكيًا… فكيف تُبنى قرارات اقتصادية كبرى عليه وحده؟من التخصص إلى التجزئة… ومن التجزئة إلى الأزمةمع تطور الاقتصاد، ظهرت تخصصات دقيقة:اقتصادي لا يرى إلا الأرقامفنشأت حالة يمكن وصفها بـ:وهنا بدأت تظهر مشكلات حقيقية:مشروعات ناجحة فنيًا… فاشلة اقتصاديًاسياسات مالية قوية… لكنها مدمرة اجتماعيًاخطط تنموية ممتازة على الورق… عاجزة في الواقعبل غياب من يجمع هذه التخصصات في رؤية واحدة.
هنا وُلدت الشركات الاستشاريةلم تولد الشركات الاستشارية لأنها “مهنة جديدة”،بل لأنها أصبحت الحل المؤسسي لمشكلة معرفية.
لقد جاءت لتقوم بدور لم يكن موجودًا من قبل:بدلاً من خبير واحد، أصبح لدينا:لكن الأهم ليس وجودهم… بل تنسيقهم.
القدرة على تحويل المعرفة المتفرقة إلى قرار قابل للتنفيذويتحول القرار من مغامرة إلى حساب مدروس.
الاستشارة كصناعة تقود الاقتصادمع منتصف القرن العشرين، لم تعد الاستشارات دعمًا جانبيًا،بل أصبحت جزءًا من صناعة القرار العالمي.
شركات كبرى مثل McKinsey & Company وBoston Consulting Group لم تكتفِ بتقديم النصح، بل شاركت في:من “من ينفذ القرار؟ ” إلى “من يصنع القرار؟ ”لماذا تحتاج الدول إلى بيوت الخبرة؟وهذا يعني أن القرار لم يعد:العالم الأول والعالم الثالث… فجوة في التفكير لا في المواردالدول المتقدمة أدركت مبكرًا أن:القرار الجيد يحتاج إلى عقل جماعي منظمبينما في كثير من دول العالم الثالث:فتظهر الفجوة… لا في الموارد، بل في:يمكننا الآن أن نفهم بوضوح:لم تُخلق الشركات الاستشارية لتُزين القرارات… بل لتصنعها.
فهي تمثل انتقالًا تاريخيًا:إلى عقل مؤسسي متعدد التخصصاتوفي عالم يتجه نحو مزيد من التعقيد،لن يكون النجاح للأكثر علمًا فقط،بل للأقدر على جمع العلم في قرار واحد.
في المقال القادم، بإذن الله سننتقل من السؤال:لماذا وُلدت الشركات الاستشارية؟“لماذا تنجح في الغرب… وتتعثر في العالم الثالث؟ ”وهنا تبدأ المقارنة التي تكشف جوهر أزمة التنمية في عالمنا.
متقاعد من المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في افريقياsanhooryazeem@hotmail.
com.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك