كأن عليهم أن يستأذنوا من الحياة!أكثر الناس تعبًا ليسوا أولئك الذين خذلتهم الحياة مرة واحدة، وإنما الذين تعلموا مبكرًا أن يراقبوا أنفسهم باستمرار، وأن يعبروا أيامهم بحذر يشبه الاستئذان،بعض الناس يدخلون أي مكان كأنهم يطرقون بابًا ليس لهم، يجلسون بحذر، ويتكلمون بحذر، ويضحكون بنصف صوت، ويعتذرون كثيرًا حتى حين لا يخطئون.
لا أحد طلب منهم ذلك مباشرة، لكن الحياة نجحت، مع الوقت، في تدريب أرواحهم على الشعور بأن وجودهم عبء خفيف على الآخرين.
يمكن ملاحظة هذا في أكثر التفاصيل عادية.
شخصٌ يتردد طويلًا قبل إرسال رسالة، امرأة تعيد قراءة كلماتها عشر مرات خوفًا من أن تكون ثقيلة، رجل يبالغ في الشكر لأنه تلقى معاملة مهذبة، صديقة تستغرب اهتمامًا بسيطًا كأن العناية بها حدث استثنائي.
هؤلاء لا يعانون من نقص في الحساسية فقط، وإنما من تاريخ طويل جعلهم يعتقدون أن المساحة التي يشغلونها في حياة الآخرين يجب أن تبقى صغيرة قدر الإمكان.
ثمة تعب نفسي لا ينتج عن الكوارث الكبيرة، وإنما عن التآكل البطيء للشعور بالقيمة، حين يكبر أحدهم وهو يشعر أن الحب مشروط، وأن القبول مؤقت، وأن عليه دائمًا أن يكون لطيفًا أكثر من اللازم كي لا يُستبعَد، يبدأ تدريجيًا بالتخفف من نفسه، يقلل رغباته، ويؤجل اعتراضاته، ويبتلع حزنه بسرعة، ويتعامل مع احتياجاته كأنها نوع من الإزعاج غير اللائق.
لهذا يبدو بعض الناس ممتنين بطريقة مؤلمة، تكفيهم كلمة طيبة كي يتأثروا فعلًا، ويكفي أن يصغي إليهم أحد بانتباه حتى يشعروا بدهشة حقيقية، كأنهم لم يعتادوا أن يُمنحوا حضورًا كاملًا في حياة الآخرين، وكأن جزءًا عميقًا داخلهم ظل مقتنعًا بأنهم قابلون للاستبدال في أي لحظة.
المشكلة أن هذا النوع من العطب لا يُرى بسهولة، لأن أصحابه غالبًا يبدون متماسكين، ينجحون في أعمالهم، ويكتبون، ويحبون، ويمازحون الآخرين، وربما يبدون أقوياء أكثر من الجميع، لكنهم، في الداخل، يعيشون حالة استنفار دائمة، يخافون من الانسحاب المفاجئ، ومن تبدل المشاعر، ومن تلك اللحظة التي يقرر فيها الآخرون أنهم لم يعودوا مرغوبين بما يكفي.
بعضهم لا يعرف كيف يطلب شيئًا مباشرة، يدور طويلًا حول رغبته، ويستخدم التلميح بدل الوضوح، ويترك دائمًا بابًا صغيرًا للتراجع، كأنه يهيئ نفسه لاحتمال الرفض قبل أن يحدث، حتى الحب عندهم يتحول أحيانًا إلى نوع من الحذر العاطفي، يحبون وهم مستعدون للخسارة مسبقًا، ويعتنون بالآخرين أكثر مما يعتنون بأنفسهم، لأنهم تعودوا على فكرة قديمة تقول إن بقاءهم في القلوب يحتاج إلى جهد إضافي دائم.
والمؤلم أن كثيرًا من هؤلاء ليسوا ضعفاء أصلًا، وإنما أشخاص عاشوا طويلًا من دون طمأنينة كافية، أشخاص اضطروا، في مراحل مبكرة من حياتهم، إلى مراقبة الأمزجة، وقراءة النبرات، وتحليل الصمت، والتقاط الإشارات الخفية التي تسبق الخذلان، ومع الزمن، يتحول هذا الانتباه الحاد إلى طريقة عيش كاملة.
لهذا قد يغيّرهم موقف صغير جدًا، صديق يقول لهم: “خذ راحتك”، شخص يطمئنهم بأن وجودهم محبوب لا محتمل، رسالة صادقة تصل من دون مناسبة، اهتمام لا يحتاج إلى استجداء، هذه الأشياء التي تبدو بسيطة عند الآخرين، قد تفتح نافذة هواء داخل روح ظلت طويلًا تتصرف كأن عليها أن تدفع ثمن بقائها في العالم.
وربما كانت أكثر العلاقات إنقاذًا هي تلك التي لا تجعلنا نشعر بأننا تحت الاختبار طوال الوقت، العلاقات التي تسمح لنا أن نتكلم بعفوية، وأن نخطئ أحيانًا، وأن نصمت أحيانًا، من دون خوفٍ من خسارة مكاننا عند الطرف الآخر، فبعض الناس لا يحتاجون حبًا استثنائيًا بقدر حاجتهم إلى طمأنينة بسيطة تعيد ترتيب صورتهم عن أنفسهم، وتحررهم أخيرًا من ذلك الاعتذار الداخلي المزمن الذي يعيشون به منذ سنوات طويلة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك