أضحت أزمة صناديق التقاعد في النقابات المهنية، تشكل هاجسا يؤرق آلاف المنتسبين للنقابات المهنية، إذ باتوا يخشون من انعكاساتها على مستقبلهم المعيشي.
وتعد هذه الأزمة واحدة من أكثر التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه النقابات، وأكثرها تعقيدا في الآونة الأخيرة، إذ تفصح عن اتساع الفجوة بين الإيرادات المتأتية من الاشتراكات والاستثمارات النقابية، والنفقات المتزايدة للرواتب التقاعدية، وهو ما دفع إلى حدوث عجز مالي في عدد من النقابات الكبرى، فاتجهت لاتخاذ إجراءات قاسية، شملت: رفع سن التقاعد للمشترك، وزيادة قيمة الاشتراكات، وبعض هذه النقابات، أصبحت عاجزة عن صرف رواتب التقاعد بانتظام، أو صرف أجزاء من الرواتب، ما يعكس خللا بنيويا في النماذج الاكتوارية التي سارت عليها النقابات منذ عقود.
اضافة اعلانوتعود جذور هذه الأزمة الحادة، إلى عدة عوامل متشابكة، أبرزها التغير الديموغرافي المتمثل بارتفاع أعداد المتقاعدين، في وقت تراجعت فيه نسب النمو في أعداد المشتركين الجدد، إلى جانب ضعف العوائد الاستثمارية لبعض الصناديق التقاعدية في عدة نقابات، في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة.
كما أن للتحديات الإدارية وغياب الرقابة الحصيفة خلال فترات سابقة، جانب في تفاقم حدة التدهور المالي لتلك الصناديق.
وبرغم إلغاء نقابات عدة لصناديقها التقاعدية على غرار نقابتي الصحفيين والجيولوجيين، فإن صندوق تقاعد المحامين، الذي يعتبر أحد أكثر النماذج صمودا في وجه التقلبات الاقتصادية وسواها، تمكن من الحفاظ على سوية جيدة من الاستقرار المالي قياسا بغيره.
ويعزو مراقبون تماسكه للتدفقات المالية المنتظمة للصندوق، والسياسة التقاعدية التي تتسم بالانضباط والصرامة، ما وفّر للصندوق" مصدة" أمنته ضد الهزات المالية المباشرة، وضمنت توازنه الحسابي حتى اللحظة.
نقيب الصيادلة د.
زيد روحي الكيلاني، أكد أن ملف صندوق التقاعد والتأمينات، أولوية إستراتيجية للنقابة.
مشددا على التمسك باستقلالية القرار النقابي، والانفتاح على الخبرات الوطنية، وفي مقدمتها المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي، بهدف الوصول إلى حلول عملية قابلة للتطبيق.
ولفت الكيلاني، إلى أن مجلس النقابة، بحث مؤخرا مع" الضمان" واقع صندوق التقاعد، وسبل تعزيز استدامته المالية، في إطار مساعٍ لإيجاد آليات إصلاحية، تضمن استمراريته، وقدرته على الوفاء بالتزاماته المستقبلية.
وشدد على أن الأولوية القصوى في المرحلة المقبلة، تتمثل بتطوير أنظمة التقاعد والتأمين الصحي، لتصبح أكثر استدامة وملاءمة لتطلعات الهيئة العامة، مؤكدا أن أي توجه مستقبلي، سيكون قائما على الشفافية الكاملة والمكاشفة مع الزملاء، عبر عرض نتائج الدراسات والسيناريوهات المطروحة بما يضمن تحقيق أفضل المكتسبات للصيادلة.
بدورها، أكدت نقيبة أطباء الأسنان د.
آية الأسمر، أن صناديق التقاعد في النقابات، تواجه أزمات متراكمة ومعقدة، تختلف عن وضع صناديق التأمين الصحي.
موضحة بأن أبرزها يتمثل بالخلل في المعادلة الاكتوارية الخاصة باحتساب الرواتب التقاعدية مقارنة بالرسوم الشهرية والعائدات التي يسددها المنتسبون، وهي معادلة لم تدرس على المدى الطويل.
وأضافت الأسمر، أن زيادة أعداد الأعضاء المجمدة عضويتهم أو المشطوبين من سجلات النقابة، وضعف الالتزام بدفع الاشتراكات، ساهم بتفاقم الأزمة، فيما لم يكن الاستثمار في هذه الصناديق ممنهجا أو ذا كفاءة عالية، بحيث اقتصر غالبا على خيارات آمنة تقليدية، ما جعلها عرضة لفترات طويلة من الركود.
وشددت الأسمر على أن مواجهة هذه التحديات، تتطلب تعديلات جوهرية على أنظمة الصناديق، تستند إلى معادلات اكتوارية دقيقة، تراعي الأبعاد المالية القصيرة والمتوسطة والبعيدة المدى، إلى جانب رفع كفاءة الاستثمار وإعادة تفعيل عضوية الملتزمين السابقين.
وأوضحت، أن نقابة أطباء الأسنان، بدأت منذ نحو عام بتنفيذ إجراءات إصلاحية، شملت إعداد دراسة اكتوارية وتعديلات على النظام، بالإضافة إلى محاولات لإعادة الأعضاء المجمدة عضويتهم، وتنشيط الاستثمار، غير أن النتائج النهائية لهذه الخطوات لم تظهر بعد.
مؤكدة أن النقابة ما تزال بانتظار حصاد هذه الجهود لتقييم أثرها الفعلي على استدامة الصندوق.
من جانبه، اعتبر نائب نقيب المهندسين أحمد الفلاحات، أن الإصلاحات التي لجأت إليها نقابات مهنية لمعالجة أزمات صناديق التقاعد والتأمينات، لم تتجاوز أثرا مرحليا وإداريا محدودا، بحيث بقيت في معظمها مجرد تعديلات جزئية على النموذج القائم، دون أن تحقق معالجة حقيقية للفجوات التمويلية، أو بناء استدامة مالية طويلة الأجل.
وقال الفلاحات، إن جوهر المشكلة لم يعد مرتبطا برفع الأقساط أو تعديل الشرائح، بل يكمن في نموذج التقاعد نفسه، بحيث تعتمد معظم الصناديق على نظام" المنفعة المحددة" الذي يلتزم برواتب تقاعدية ثابتة، بغض النظر عن حجم الاشتراكات الفعلية أو العوائد الاستثمارية، أو المتغيرات الاقتصادية والديموغرافية.
وأشار إلى أن هذه الصناديق، تأسست تاريخيا على فرضية أن غالبية الأعضاء يمارسون المهنة داخل الأردن، ويدفعون اشتراكاتهم من دخل محلي منتظم، بينما الواقع تغير بشكل كبير، بحيث أن نسبة قد تصل لـ60 % من أعضاء بعض النقابات، يعملون أو يقيمون خارج المملكة.
وأضاف الفلاحات، إن" هذا التحول خلق فجوة بين نموذج تمويلي محلي قديم وعضوية مهنية عابرة للحدود، ما أضعف انتظام الاشتراكات وزاد من صعوبة التحقق من ممارسة المهنة ومصدر الدخل".
وبشأن صندوق تقاعد المهندسين، بيّن أن آخر تعديل على نظام التقاعد صدر في نهاية عام 2023 وبدأ تطبيقه فعليا في عام 2024، لكنه بقي في جوهره ضمن فلسفة" المنفعة المحددة"، ولم يشكل تحولا هيكليا كاملا.
وبين أن اللجنة التوجيهية للصندوق، أنهت أعمالها الفنية المتعلقة بدراسة واقع الصندوق والسيناريوهات الإصلاحية المقترحة، وأن النقابة بانتظار نتائج الدراسة الاكتوارية العاشرة التي تجريها مؤسسة الضمان.
موضحا بأن أي قرار إصلاحي، عليه الاستناد لأرقام معتمدة وتحليل مهني، لا إلى إجراءات انفعالية أو حلول جزئية.
وأكد أن المطلوب حاليا، إصلاح جذري تدريجي ومدروس، ينقلنا إلى نموذج أكثر عدالة وشفافية، كنظام" المساهمات المحددة" أو الحسابات التقاعدية الشخصية، بحيث يرتبط الاستحقاق بما دفعه العضو فعليا، وبالعائد المتحقق على رصيده، مع مراعاة واقع سوق العمل وظاهرة الهجرة المهنية، وتحديات الاشتراك المزدوج مع الضمان.
وفيما تتواصل أزمة صندوق التقاعد في نقابة الأطباء، لتشكل واحدة من أبرز التحديات التي تواجه الجسم الطبي، يرى الناطق الإعلامي للنقابة د.
حازم القرالة، أن جذور الأزمة تعود لتراكمات طويلة، أبرزها الخلل في آلية احتساب الرواتب وضعف الاستثمار.
وأكد القرالة، أن كل ذلك جعل الصندوق أقرب إلى صندوق تكافلي، يعتمد بنسبة تفوق الـ80 % على الاشتراكات، في حين أن هذه الاشتراكات لا تغطي سوى 9 % من قيمة الرواتب التقاعدية المستقبلية، مقارنة بنسبة 37.
5 % في أنظمة راسخة مثل الضمان.
وأشار إلى أن النقابة، وضعت خطة إصلاحية متكاملة، ارتكزت على 3 محاور، هي: تحسين عوائد الاستثمار، واستحداث الشريحة الأساسية لتقليص أعداد المستفيدين مستقبلا، وإجراء تعديلات جوهرية على نظام الصندوق.
وتابع القرالة، إنه بعد عامين من التطبيق، انعكست هذه الإجراءات إيجابا على الوضع المالي، لكن استكمال الإصلاح ما يزال مرهونا بقرار مجلس الوزراء بشأن التعديلات الأخيرة المحالة إلى وزارة الصحة منذ أكثر من عام ونصف.
واعتبر أن النقابة تأمل بتعاون وزارة الصحة في تسريع استكمال الإجراءات، بما يضمن استدامة الصندوق وحماية حقوق الأطباء، في وقت تتزايد فيه الحاجة لحلول جذرية، تواكب التحديات الاقتصادية وتمنح الأطباء الثقة بمستقبلهم التقاعدي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك