حدد نجيب محفوظ موقفه، بشكل أكثر صراحة، من مختلف حكام مصر، منذ الملك مينا وحتى الرئيس السادات، في كتاب «أمام العرش»، وفيه شرح مآثر وعيوب كل زعيم، من خلال محكمة رمزية تخيلها محفوظ، ضمت كلاً من إيزيس وأوزوريس وحورس، وركز الكتاب على زماننا المعاصر، عاقداً مقارنة بين كل من سعد زغلول ومصطفى النحاس، وجمال عبدالناصر وأنور السادات.
واتخذ محفوظ خطوة أكثر إيضاحاً في تحديد موقفه من القضايا السياسية والاجتماعية، التي فرضت نفسها على المجتمع المصرى والعربى، من خلال الزاوية الصغيرة التي كان يكتبها في صحيفة الأهرام، والتي تم جمعها، في عدة كتب.
وقد تطرق محفوظ في هذه الزاوية الصحفية إلى قضايا ومفاهيم عامة، مثل التدين والتطرف والحرية والعدالة والتقدم والانتماء والهوية والعلم والعمل.
إلخ.
وحول الانتماء والهوية، يقول محفوظ «مصر 1919 آمنت بمصريتها، ومصر 1952 آمنت بالعروبة.
الآن الإسلام السياسى يطرح العالم الإسلامى كله كدائرة للانتماء، واجبنا أن نخلق من هذه الانتماءات الثلاثة انتماء أكبر، يحافظ على مكوناتها الأصلية، ويربطها برابطة تكاملية، تزيدها قوة وصلابة، بدلاً من أن تهدر قواها في صراعات عمياء».
وفي موضع آخر يقول:«إن الدفاع عن الهوية لا لسبب إلا أنها هويتنا باطل، كما أن التنكر للهوية لا لسبب إلا الانبهار بهوية حضارة أخرى باطل أيضاً.
علينا أن نواجه عصر القرية الكبيرة الواحدة بكل شجاعة وثقة بالنفس».
أما عن الحرية والعدالة فيرى محفوظ أنهما قيمتان عظيمتان لا غنى للبشرية عنهما، ويؤكد: «الحرية وحقوق الإنسان لن تكون ضربة موجهة للعدالة، ولن تصادر الحرية والكرامة باسم العدالة وباللجوء للقهر والاستبداد والإرهاب الرسمى».
وينحاز محفوظ إلى الرأى الذي يؤكد أن الحرية ليست هبة ولا منحة، لكنه في المقابل يشير إلى أنها لا تتحقق بالشتائم واتهام الأبرياء وتوهم المكانة، إنما هى «ثمرة جهاد الأحرار، ولا تجىء نتيجة لوجود المجتمع الحر، لكنها تخلقه من خلال جهاد مر، لم يكف، قديماً ولا حديثاً، عن تقديم الشهداء والضحايا».
وكل ما سبق لا يعنى أن محفوظ قد خرج عن الخط العام الذي حدده لحياته وهو الابتعاد عن السلطة، لا يطلب منها شيئاً ولا يفعل ما يجعلها تطلبه أو تلاحقه، فهو إن كان قد طرق باب السياسة في رواياته فإنه ركز على العموميات، ونأى بنفسه عن السياسة اليومية أو الصراع السياسى الوقتى بين هذا الحزب أو ذاك، ولذا لم يخض تجربة السجن، التي عاشها كثير من الأدباء المصريين، خلال ستينات وسبعينات القرن العشرين.
ويبقى أوضح رأى سياسى عبر عنه محفوظ هو ذلك الذي أثار عليه خلال عام 1998 زوبعة من النقد الحاد، ظل طيلة حياته حريصاً على تجنبها، فقد هاجم بضراوة التجربة الناصرية، واعتبر أن كثيراً من قرارات عبدالناصر المصيرية، والتي جلبت له شعبية جارفة، كانت متسرعة، وقادت مصر إلى انتكاسات وعرضتها للأخطار، ومنها مثلاً تأميم قناة السويس، وحرب الاستنزاف.
لكن حتى هذا الرأى الصريح لم يبعد محفوظ كثيراً عن نهجه السابق في عدم الدخول في مواجهة مباشرة مع السلطة، إذ إنه وجه انتقاداته لنظام وقائد رحل عن دنيانا، ولم يعد بمقدوره أن يلاحقه أو يحاسبه على ما قال.
وقبل هذا بسنوات مال محفوظ إلى تأييد اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، وهو موقف سبب له متاعب جمة من قبل رافضى «التطبيع»، وحاد بكثير منهم إلى الربط بين موقفه هذا وبين حصوله على جائزة نوبل عام 1988.
وإذا كان نجيب محفوظ قد عبر عن مواقفه السياسية على استحياء، من خلال الزاوية الأسبوعية الصغيرة، التي كتبها وتنقل عنه الآن بوساطة محمد سلماوى في صحيفة الأهرام المصرية، أو من خلال الحوارات والمقابلات الصحفية التي أجريت معه، فقد ظل في النهاية مخلصاً للفن الروائى، الذي رأى فيه الحامل الأساسى والأكثر ديمومة لأفكاره ورؤاه السياسية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك