فرانس 24 - بين التفاؤل الأمريكي وتحفظ طهران: اتفاق محتمل يلوح في الأفق الجزيرة نت - تبدو آمنة ومريحة.. لكن ماذا تفعل الوسادة الحرارية بجلدك مع الوقت؟ وكالة الأناضول - لانس الفرنسي يفعل بند شراء عقد السعودي سعود عبد الحميد القدس العربي - ماكرون يعلن تأييد فرنسا اتفاق وقف إطلاق النار بين اسرائيل ولبنان الجزيرة نت - شاهد.. مسيرات حزب الله تستهدف تجهيزات فنية للاحتلال جنوب لبنان إيلاف - من يقترب من النار لا يلوم اللهب قناه الحدث - واشنطن: ترامب لن يكرر أخطاء الماضي في أي اتفاق مع إيران الجزيرة نت - فرص للصحفيين.. 16 وظيفة ناشئة تعيد هندسة غرف الأخبار في عصر الذكاء الاصطناعي العربية نت - عين العصائب على حصص بحكومة العراق وكالة الأناضول - أنقرة.. رئيس النيجر يزور منشآت "روكيتسان" التركية للصناعات الدفاعية
عامة

في جنازة جارنا.. تأملت الحقيقة التي نهرب منها جميعا

الجزيرة نت
الجزيرة نت منذ 4 أسابيع
1

توفي بالأمس جارنا المسكين، وها نحن اليوم نشيعه إلى قبره. كنت أسير خلف جنازته، وفي خيالي صورته لا تكاد تفارقني؛ تتردد في ذهني كأنها تأبى الرحيل. كان رجلا في الخمسين من عمره، ضعيف البنية، ليس بالطويل ول...

ملخص مرصد
توفي جار الكاتب المسن بعد حياة هادئة قضاها موظفا متقاعدا في التعليم، وكان يعيش مع أمه وأخيه. أثارت جنازته تساؤلاته حول الموت كحقيقة نهائية، مستذكرا ردود أفعال الناس تجاهه رغم خوفهم منه. رأى في رحيله فرصة للتأمل في زوال الدنيا وغرابة الموت الذي يlevel الجميع دون تمييز.
  • توفي جار الكاتب بعد حياة هادئة قضاها موظفا متقاعدا في التعليم
  • عاش جار الكاتب مع أمه وأخيه الطالب دون زواج
  • أثارت جنازته تساؤلات حول الموت كحقيقة نهائية لا مفر منها
من: جار الكاتب (موظف متقاعد في التعليم) أين: حي الكاتب (غير محدد)

توفي بالأمس جارنا المسكين، وها نحن اليوم نشيعه إلى قبره.

كنت أسير خلف جنازته، وفي خيالي صورته لا تكاد تفارقني؛ تتردد في ذهني كأنها تأبى الرحيل.

كان رجلا في الخمسين من عمره، ضعيف البنية، ليس بالطويل ولا القصير، غائر العينين، يحمل على ملامحه سكينة ممزوجة بحزن خفي.

كان يشتغل موظفا في التعليم قبل أن يتقاعد مبكرا بسبب المرض.

كان يعيش مع أمه العجوز وأخيه الشاب الطالب بكلية الحقوق، ولم يسبق له الزواج.

كان هادئ الطبع، قليل الحديث، كثير المكوث في البيت.

كنت ألقاه عادة عند أذان العشاء، يمر من أمامنا في طريقه إلى المسجد بقميصه الأبيض وخطواته الهادئة المتثاقلة.

كان يلقي علينا التحية بصوته الخافت الذي يسمعه المنتبه ولا يزعج الساهي.

كانت عيناي تتبعان خطاه حتى يختفي بين زحام الناس.

كنت أحبه، وأحب طبعه الهادئ وخطواته البطيئة وابتسامته الحزينة.

حتى السكان في حينا كانوا يحبونه، ويحبون استغناءه عن الدنيا وملذاتها، واستغناءه عما في أيدي الناس.

الآن قد رحل، أخذه الموت وذهب به بعيدا.

رحل كما قال محمد عبد الحليم عبد الله في روايته «لقيطة»: «موقنا بأن نورا جديدا لا بد أن يكتسح تلك الظلمات حيث كان يعيش».

ظللت أفكر في الموت، هذا المخلوق المهيب الذي ينهي كل شيء.

ينهي الآمال والآلام، وينهي الأحلام.

ينهي الخيبات، ويوقف النجاحات، ويهدم اللذات.

ثم لماذا نخاف الموت؟ أليس هو الحقيقة الباقية؟ أليس النهاية الحتمية؟ فلماذا نفزع منه؟حدثنا القرآن الكريم عن الموت كثيرا، وكذلك السنة، لكني أجد من الصعوبة أن نفهمه على حقيقته، أن نفهم ماذا يحدث عندما يأتي، وبماذا يشعر الميت، وماذا يرى عندما يأتيه وبعدما يأخذه بعيدا ويرحل.

نرى الموت ونسمع عنه كل يوم، لكنه بالنسبة لي يبقى سرا كبيرا لا يمكننا أن ندرك كنهه، على الأقل إلى أن نذوقه.

هناك أشخاص يخشون الموت، وبعضهم لا يخافونه، أو هكذا يدعون، إذ إن أحدا منهم لم يذقه بعد.

هذا ما أيقنته بعد أن شاهدت إحدى الممثلات تتحدث عن تجربة الموت.

كانت بصدد أداء مشهد إعدام في أحد الأعمال الدرامية، وبمجرد أن ارتدت بذلة الإعدام، وتم لف حبل المشنقة حول عنقها، أصيبت بغيبوبة ونقلت إلى المستشفى، ولم تستفق إلا بعد أزيد من ساعة.

حينها صرخت: «لقد رأيت الموت بعيني، فبمجرد ارتدائي بذلة الإعدام الحمراء شعرت برعشة تسري في جسدي».

أثارني الخبر كثيرا، وتساءلت: هل لا بد أن يلف حبل حول أعناقنا كي نتذكر الموت؟ وهل لا بد أن نفقد قريبا لتعبر أجسادنا تلك الرعشة الباردة، ويلبسنا ذلك القلق الغامض، فنفكر بعمق في أن لنا نهاية واحدة لا شك فيها ولا جدال؟نعم، لا بد أن نفزع منه.

فرغم أن الموت حقيقة لا بد منها، إلا أني أظنه أمرا مهيبا لا بد أن نخشاه.

كيف لا، وهو شيء لم نجربه؟ قنطرة عبور إلى آخرة لا ندري كيف هي، ولا ما ينتظرنا فيها.

موت جارنا الطيب حرك في أمورا كثيرة كنت غافلا عنها.

ما الحياة؟ ما الموت؟ وإلى أين نمضي بعد الموت؟ وإلى أين المصير؟أين هي تلك السياط التي كنت بها تظلم، والقوة التي كنت بها على الناس تحكم؟ أين هي؟ أين كل ذلك؟نظرت كثيرا إلى ذلك الجسد المسجى على الأرض بلا حراك، وسألت نفسي: ما الذي كان يجعل هذا الجسد نشيطا يتحرك، وبات الآن جثة هامدة لا تقوى على شيء؟ شيء ما لم يعد معه وتركه هكذا بلا حراك.

إنها الروح التي صعدت إلى حيث مستقرها ومستودعها، وتركت هذا الجسد ليطرح في الأرض، ثم يختفي في التراب، كأنه لا شيء، كأنه عدم.

ولو كنت حضرت احتضار أحدهم، ما أظنك كنت تتوقف عن سؤال ذلك الجسد وأنت تنظر إليه: لم أيها الجسد لا تسمع؟ قد كنت مطبوعا على النطق، فأجب، ما بالك صامت لا تتكلم؟ أين ذاك الجبروت؟ أين هو؟ أين تلك اليد التي كانت تبطش، والرجل التي كانت نحو كل شيء تسرع؟ أين تلك المنازل الفخمة، والكراسي الوثيرة، والمراكب الفخمة؟ أين تلك الأرصدة الضخمة والبطون المملوءة حد التخمة؟ أين هي؟في طريق عودتنا من المقبرة، حيث تركنا جارنا المسكين يقابل مصيره المحتوم، ظلت تجول في خاطري أسئلة كثيرة.

فتذكرت كيف أن الموت يأتي كل حين ليأخذ أحدهم من كل مكان.

يأتي أحيانا ليأخذ إنسانا بعمر يوم أو يومين، ويأتي أحيانا أخرى من أجل أحدهم بعد أن يصبح شيخا كبيرا عاش إلى أرذل العمر.

وبين هذين الاثنين، ما زال يأتي كل يوم ليأخذ الصغير والكبير، الصحيح والسقيم، الأمير والفقير، العالم والمتعلم.

وسيبقى الموت هكذا يأتينا ليذكرنا بالحقيقة الخالدة التي لا تموت: أننا ما نحن أحياء إلا لنموت.

وأن الدنيا خيال، باطل سيفوت.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك