تتمتع الجسور في محافظة دير الزور السورية بحضور معنوي مهم في حياة السكان، خصوصاً الجسر المعلّق الذي دمّره نظام الأسد البائد والذي توازي أهميته السياحية والتجارية أهمية باقي جسور النهر، كما أنه ذو خصوصية مجتمعيةأعادت سيطرة الحكومة السورية على كامل ريف دير الزور أمل السكان بإمكان ترميم الجسور كي يستطيعوا التنقل بين طرفي نهر الفرات من دون الحاجة إلى العبّارات النهرية التي تعتبر من أخطر وسائل التنقل بين ضفتي النهر منذ أن دمّرت قوات التحالف الدولي في مرحلة" عزل الرقة" الجسور بين عامي 2013 و2016، في حين دمّر نظام الأسد جسري السياسية والمعلّق.
من دير الزور، تقول منى العبد الله لـ" العربي الجديد": " الجسر المعلّق كان الطريق الوحيد الذي يربط ضفتي نهر الفرات في المحافظة حتى بداية ثمانينيات القرن الماضي، وهو من ضرورات سورية الجديدة لأنه اليوم من أهم معالم المدينة التي يمكن أن تعيد للناس الإحساس بأن الحرب انتهت إذا أعيد ترميمه.
ولا تنحصر أهميته في الجانب السياحي فهو المؤشر الوحيد لإمكان العودة بالنسبة إلى المتحدرين من دير الزور ويقطنون خارجها".
تتابع السيدة التي تقترب من سن الستين: " حين كنا نعبر الجسر المعلّق وتمر قطعان المواشي أو السيارات كنا نحسّ باهتزاز خفيف للجسر لكن لم يكن أحد يخشى من احتمال انهياره.
وحين بُني جسر السياسية (نسبة إلى فرع الأمن السياسي المجاور للجسر) منعت الحكومة مرور السيارات أو قطعان المواشي عبر الجسر المعلّق، وبات للمشاة فقط، ما حوّله إلى مكان للتنزه، وظل الشبان يتنافسون بالقفز من أعلى مكان يستطيعون تسلقه من حبال الجسر أو أعمدته إلى النهر تعبيراً عن الشجاعة والتنافس الذي ترافق غالباً مع تشجيع الحاضرين.
وكان القفز من الجسر معيار إجادة السباحة بالطريقة التي اعتادها سكان حوض الفرات، كما أن اجتياز النهر من ضفة إلى أخرى على اتساع مجراه اعتبر من اختبارات القوة البدنية والمهارة في السباحة بالنسبة إلى شبان المحافظة".
ويقول علي الجاسم لـ" العربي الجديد": " قلت لوالدي مرة إنني تعلمت السباحة فسخر مني لأنني لم أجتز الفرات أو أقفز من فوق الجسر المعلّق.
وحين قفزت للمرة الأولى خلال صيف عام 2006 منحني مكافأة 100 ليرة سورية (نحو دولارين في ذلك الوقت)".
يضيف: " المعلّق ليس مجرد جسر بالنسبة إلى سكان مدينة دير الزور، بل إنه رمز للمدينة، ومعظم من سكنوا فيها قبل عام 2011 أو زاروها التقطوا صوراً على الجسر المعلًق الذي قد تكون إعادة إعماره ما ينتظره كل الأهالي اليوم كي يشعروا بأن المدينة عادت إلى الحياة فعلياً".
ويقول أحد كبار السن المتحدرين من دير الزور لـ" العربي الجديد": " كانت صورة عرسي عام 1959 على الجسر المعلّق حيث ركبت الحنطور مع زوجتي، ولحق بنا المصور على دراجة هوائية".
يروي سكان دير الزور أن الأعمدة الخرسانية التي تحمل الجسر المعلّق تحتوي على جثامين عمال شاركوا في بنائه بين عامي 1925 و1931، بعدما سقطوا في كتل الإسمنت أثناء عملية إنشاء القواعد.
وبسبب استحالة استخراج الجثامين بعد جفاف الإسمنت بقيت جثامينهم هناك.
ورغم استحالة توثيق هذه السردية فقد بقيّت حيّة في أذهان سكان دير الزور الذين يعتبرون الجسر المعلّق رمزاً لمدينتهم، كما جسر بروكلين المصنّف بأنه معلم تاريخي وطني في الولايات المتحدة ومعلم تاريخي في الهندسة المدنية، علماً أن الأميركي ألماني الأصل جون روبلينغ اخترع الجسور المعلّقة بحبال حديدية.
وتكشف معلومات دقيقة عن الجسر أن الحكومة الفرنسية التي سيطرت على سورية بنت جسر المعلّق عام 1925 بإشراف المهندس فيفو بطول 467 متراً وعرض 4.
5 أمتار وارتفاع 36 متراً، واستند إلى أربع قواعد انبثقت منها أربع ركائز بطول 25 متراً لكل ركيزة.
ووصلت الكهرباء إلى الجسر للمرة الأولى عام 1947، وأخذت الركائز لونها الأصفر عام 1955، وهو العام نفسه الذي ركبّت فيه بلدية دير الزور أضواء ملونة على السطح السفلي للجسر كي تنعكس ألوانها على مياه نهر الفرات، ما أضاف جمالاً بصرياً للجسر والمدينة.
واستهدف نظام الأسد البائد الجسر المعلّق بغارات جوية في 2 مايو/أيار 2013 لمنع تقدم فصائل المعارضة التي كانت تسيطر على الريف الشمالي المقابل للمدينة، لكن بعض سكان دير الزور يعتبرون أن استهدافه لم يكن مجرد تكتيك عسكري بين طرفين متقاتلين، بل حادثة دمّرت جزءاً جميلاً من ذاكرة سكان المدينة.
ورغم أن النظام البائد استعاد السيطرة على مدينة دير الزور بعد معارك مع تنظيم" داعش" صيف عام 2017 لم يُرمم أي من جسور المحافظة لأسباب قد ترتبط بافتقاد الموازنة أو بتعمّد إهمال المحافظات الشرقية المستمر منذ عقود، واكتفى النظام حينها بالجسر الترابي الذي بنته الفصائل المرتبطة بإيران بعد جسر عائم كانت بنته القوات الروسية عام 2017، لكن كلا الجسرين لم يعوضا الجسور المدمّرة على الصعيدين الاقتصادي والمجتمعي، في حين لا يزال ركام الجسر المعلّق يذكّر السكان بوجوده وضرورة ترميمه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك