العقبة- تستوقفك في ساحة الثورة العربية الكبرى بمدينة العقبة عبارة" أراك عند السارية" المترددة بعفوية على ألسنة الزوار كنقطة التقاء حيوية، لتتحول هذه الجملة لإنهاء جولة تسوق أو بدء رحلة بحرية جديدة في وقت يجسد تحول هذا المعلم الوطني الشامخ بوصلة اجتماعية ونبض حي في يوميات المدينة الساحلية.
اضافة اعلانالشاب الجامعي زيد العدوان يبين ان اختياره لهذا المكان لكونه المعلم الأبرز الذي لا يمكن إغفاله وسط زحام المدينة وتفرع شوارعها المتداخلة ليمثل نقطة تجمع مثالية لا تتطلب استخدام تطبيقات الخرائط الذكية أو أجهزة الملاحة المعقدة، مضيفا إيجاد الشباب في ظلال هذه الراية مساحة للحرية والتعبير واللقاء بعيدا عن روتين المقاهي المغلقة حيث يمنحهم اتساع الساحة شعورا بالانطلاق يتناغم مع أمواج البحر الممتدة أمامهم.
وعبرت الحاجة أم محمد القادمة من محافظة إربد عن ارتياحها لاختيار هذا المكان المطل على البحر والذي يمنح العائلة الأردنية مساحة مجانية وآمنة للجلوس وتناول القهوة وتبادل الأحاديث بعيدا عن ضجيج المركبات وازدحام الأسواق التجارية.
ويرى السائح الإسباني كارلوس الذي يزور العقبة للمرة الأولى برفقة زوجته جاذبية استثنائية في التقاط الصور التذكارية تحت هذا العلم الضخم الذي يروي قصة بلد بأكمله ليكون شاهدا مرئيا على رحلتهما إلى ثغر الأردن الباسم مبديا إعجابه باحتفال المكان المستمر بالحياة والتاريخ معا.
ويدرك تماما المتمعن في الجذور التاريخية والجيوسياسية لهذا الصرح المعماري والوطني كيف تجاوزت ساحة الثورة العربية الكبرى وساريتها التي تعانق السماء بارتفاع يناهز 130 مترا فكرة النصب التذكاري الصامت لتصبح رئة تتنفس من خلالها المدينة بأكملها، إذ تمثل الهدف الأساسي والاستراتيجي منذ تشييدها في عام 2004 في تخليد ذكرى انطلاقة الثورة العربية الكبرى ومعركة العقبة التاريخية عام 1917 التي شكلت نقطة تحول مفصلية في تاريخ العرب الحديث وأسست لمرحلة جديدة من التحرر وبناء الدولة، غير ما تبلور على أرض الواقع عبر السنوات المتعاقبة والتخطيط الحضري المدروس هو إعادة صياغة حقيقية لمفهوم الفضاء العام في المدن الأردنية لتصبح الساحة مسرحا مفتوحا للحياة بكل تجلياتها اليومية.
وهو ما يؤكده الخبير السياحي أيمن أبو غليون لـ" الغد"، أن ساحة الثورة وسارية العلم نجحت في تحقيق حالة نادرة من التماهي بين الرمزية الوطنية والاستخدام الشعبي اليومي، مبينا قدرة المدن السياحية الذكية على تحويل معالمها التاريخية إلى مساحات للتفاعل الإنساني العميق الذي يعزز من تجربة الزائر ويطيل مدة إقامته، مشيرا إلى أن هذه الساحة متنفس يجمع بين الشعور بالانتماء لتاريخ مجيد وبين الرغبة في الاستمتاع بجماليات المكان المطل على مياه البحر الأحمر مما يخلق ذاكرة بصرية وعاطفية ترتبط ارتباطا وثيقا بهوية العقبة الحديثة التي توازن بين أصالتها وتطلعاتها المستقبلية كوجهة سياحية عالمية تستقطب الباحثين عن الدفء والتاريخ معا في بيئة آمنة ومستدامة.
ومما يثير التأمل الجيوسياسي وقوف هذه الراية التي يمكن رؤيتها بالعين المجردة وبوضوح من شواطئ الدول المجاورة المطلة على خليج العقبة كشاهد على تقاطع الحدود وتلاقي الجغرافيا في منطقة بالغة الأهمية والحساسية، لتكون هي ذاتها التي تشهد يوميا آلاف اللقاءات الصغيرة بين الأصدقاء والأحبة، لتشكل جسرا متينا يربط بين عظمة التاريخ وعفوية الحاضر وبين اتساع الجغرافيا الإقليمية ودفء اللقاءات الإنسانية، مما يضفي على المكان هالة من المهابة التي لا تلغي حميمية التجربة الشخصية لكل زائر يطأ بقدميه تلك الساحة المرصوفة بعناية فائقة والتي تحيط بها متاحف حية تروي قصة الرصاصة الأولى ومسيرة التحرر العربي بخطى واثقة نحو المستقبل الواعد.
علاوة على تشكيل السارية لنقطة جذب استثمارية ورافعة حقيقية للحركة الاقتصادية في المنطقة المحيطة بها والتي شهدت تطورا ملحوظا في بنيتها التحتية وتنوعا في خدماتها المقدمة للزوار.
يروي العامل على إحدى القوارب الزجاجية محمد الخوجة لـ" الغد"، تفاصيل التغيير الإيجابي الملموس الذي أحدثته السارية في خريطة الحركة السياحية في المدينة موضحا ارتباط رزقهم اليومي بشكل وثيق ومباشر بأعداد الزوار الذين يتوافدون إلى الساحة لالتقاط الصور التذكارية ثم يتجهون تلقائيا إلى المرسى المجاور للقيام بجولة بحرية ممتعة لاستكشاف المرجان والحياة البحرية الفريدة.
ويشير الخبير الاقتصادي الدكتور محمد العلاونة، أن الاستثمار في الفضاءات العامة كساحة السارية استثمارا مباشرا في رأس المال الاجتماعي والاقتصادي للمدينة، موضحا إسهام تحويل المعالم التاريخية إلى مناطق جذب حيوي في تنشيط السياحة الداخلية والخارجية على حد سواء وخلق فرص عمل غير مباشرة للمئات من أبناء المجتمع المحلي الذين يجدون في محيط الساحة بيئة خصبة لتقديم خدماتهم اللوجستية والسياحية.
وتعمل الساحة والسارية على جعل المدارس والجامعات من مختلف محافظات المملكة محطة رئيسية وأساسية في رحلاتها العلمية والترفيهية المبرمجة، ليتسنى للأجيال الشابة التعرف عن قرب على فصول مضيئة من تاريخ وطنهم وأمتهم في أجواء تبتعد عن التلقين التقليدي الجاف وتعتمد على المعايشة المكانية والتجربة الحسية المباشرة.
وقالت مشرفة إحدى الرحلات المدرسية القادمة من العاصمة عمان تغريد ابو غوش، ان وقوف الطلاب تحت هذه السارية الشاهقة واستماعهم إلى شرح مبسط عن معركة العقبة وكيف غيرت مجرى التاريخ يحفر في ذاكرتهم صورة لا تمحى عن الانتماء والوطنية.
من جهته يبين مدير عام شركة العقبة لإدارة المرافق ياسر الشوابكة لـ" الغد"، حجم الجهود المبذولة للحفاظ على ألق المكان تحول ساحة الثورة العربية الكبرى إلى المتنفس الأول لأهالي العقبة وزوارها بفضل جودة وتعدد الخدمات المقدمة وتوفر الحالة المثالية من الأمن والطمأنينة والنظافة المستدامة، مشددا على اعتماد إدارة الساحة لأسس منهجية صارمة تراعي الخصوصية والرمزية التاريخية والتراثية للمكان الذي يحتضن بيت الشريف الحسين بن علي وقلعة العقبة المملوكية التي تقف شامخة كحارس أمين للتاريخ مما دفع الشركة لتقييد بعض النشاطات العشوائية التزاما بوقار المكان ورمزيته الوطنية العليا وتوجيه الفعاليات لتكون ذات طابع ثقافي ووطني يليق بقدسية الرسالة التي يحملها هذا الصرح.
وتبقى عبارة" أراك عند السارية" تمثيلا لهذا المكان للقلب النابض لمدينة العقبة الذي يجمع عبق التاريخ بإشراقة المستقبل تحت ظل راية واحدة ترفرف عاليا وتلهم كل من يقف تحتها بأن الأوطان تبنى بالحب والذاكرة الحية والعمل الدؤوب الذي لا يتوقف عند حدود الزمن أو المكان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك