ليس بعيداً ذلك اليوم الذي استيقظت فيه مصر على ما وُصفت لاحقاً بـ«الجريمة الأبشع في تاريخ الجرائم» حين تم استدراج طفل عبر الإنترنت بمنطقة شبرا الخيمة من قبل «قهوجي» قتله ثم نزع أعضاءه البشرية وصوَّر جريمته كاملة قبل أن يتواصل مع صبي لم يتجاوز الـ15 عاماً لعرض الفيديو على «الدارك ويب» مقابل 5 ملايين جنيه، أقول ليس بعيداً لا لأن الجريمة حدثت منذ عامين فقط، ولكن لأن الأحكام النهائية التي قضت بإعدام القهوجي وحبس الصبي 15 عاماً صدرت منذ أسابيع قليلة لتسدل الستار على هذا العنف الغريب على سلوك المصريين.
ما سبق ليس أكثر من حادثة من آلاف الحوادث التي تحدث في كل دقيقة نتيجة استخدام الصغار للإنترنت بلا ضوابط، خطر بات يهدد مستقبل الأمم، وطالب كثيرون، وأنا منهم، سواء عبر مقالاتي أو في مداخلاتي التليفزيونية، بضرورة إيجاد حل يوازن بين عدم منع الأطفال من استخدام الشاشات لأنها أصبحت كالماء والهواء صعب الاستغناء عنها، وبين حمايتهم من الجرائم التي تُرتكب، سواء استدراج أو تنمر، أو حتى لحمايتهم من الإدمان الرقمي الذي صار يُدرس في جامعات العالم باعتباره مرضاً يجب الأخذ بأسبابه ومحاولة علاجها.
مطالباتي كانت تتلخص في إيجاد ما يشبه «فلتر» الماء الذي يجعلنا نستفيد منه نقياً ويمنع عنا شوائبه، وهذا «الفلتر» هو الوصف الأدق للشريحة الجديدة المخصصة للأطفال والتي أعلن عنها الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، إذ إن الشريحة الجديدة، وفق ما أعلن، ستعالج المشكلة من جذورها من خلال التحكم من المنبع أي شركة الاتصالات نفسها، وهذا في حد ذاته تحول جذري في مفهوم الأمان الرقمي وحماية النشء، كما ستزوَّد بنظام تحكم مركزي يتيح منع الكثير من المواقع وأبرزها المواقع الإباحية ومنصات المراهنات ومواقع العنف، بالإضافة إلى تقييد أدوات تخطي الحجب مثل «vpn» وغيرها.
ولأن التكنولوجيا شأنها شأن أي شيء آخر لها وجه فلسفي، فالشريحة المخصصة للأطفال والتي ستحد كثيراً من الجرائم التي تُرتكب عبر الشاشات، جعلت من الآباء والأمهات شريكاً مسؤولاً، فمن خلالهم سيتم التحكم والمراقبة والمتابعة والتدخل وقت اللزوم، ورغم أن هذا ما يطالب به الأهالي حماية لأولادهم، لكن بعضهم لا يكترث، ولذلك من خلال الشريحة الجديدة سيكون الكل مسؤولاً ومشاركاً، وبمعنى أبسط قليلاً فقد قررت الدولة أن تقطع الطريق على الذين يقولون «معرفش» لأنهم الآن «سيعرفون ونص»!على الجانب الآخر، ومن ناحية تربوية بحتة ضرورية لنشأة الأجيال الجديدة، فإن تلك المراقبة لن تتوقف عند كونها «العصا» بل ستتحول إلى «الجزرة»، إذ إن متابعة الآباء والأمهات لأطفالهم وماذا يتابعون وبماذا ينبهرون وأي الشخصيات التي ينجذبون إليها، كل ذلك سيخلق في النهاية مساحة من الحميمية تسمح بتقوية الروابط بينهم فيطمئن الأولاد، وهذا سر مفتاح شخصيتهم، لأنهم حين يطمئنون سيكون من يطمئنون إليه أول ملجأ يبحثون عنه وقت الأزمات أو اتخاذ القرارات.
الدولة بدورها لن تقف لتشاهد فقط، بل ستقع عليها مسؤولية القبض على المجرمين أو من يحاولون استدراج الأطفال بأي شكل من الأشكال، أي أنها ستكون أيضاً في موقع المراقب ولو من بعيد، وبتلك الآلية سيكتمل الثلاثي المسؤول عن المنظومة، أطفال يتمتعون بالحماية الرقمية من جرائم الإنترنت، وآباء في موقع المسؤول والمشارك، وأجهزة دولة قادرة على التدخل وقت الأزمات أو تفاقم المشكلات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك