لم يكن ملف الأحوال الشخصية يومًا مجرد قضية قانونية أو تشريعية عابرة في تاريخ الدولة المصرية، بل ظل واحدًا من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، نظرًا لارتباطه المباشر بالأسرة المصرية وما يتصل بها من قضايا الزواج والطلاق والنفقة والحضانة والرؤية والولاية وغيرها من المسائل التي تمس حياة الملايين من المواطنين، ولهذا السبب، كانت أي محاولة لإدخال تعديلات على قوانين الأحوال الشخصية تثير دومًا نقاشًا واسعًا يتجاوز حدود البرلمان وأروقة الحكومة ليصل إلى المؤسسات الدينية والقانونية ومنظمات المجتمع والرأي العام.
وفي قلب هذا الجدل المتجدد مؤخرا على خلفية عدم عرض مشروع القانون الجديد على الأزهر الشريف، برز الأخير على مدار عقود طويلة باعتباره المرجعية الدينية الأبرز في القضايا المتعلقة بالأسرة، حيث لم ينظر شيوخه وعلماؤه إلى قوانين الأحوال الشخصية باعتبارها مجرد نصوص قانونية قابلة للتعديل والتبديل وفق المتغيرات السياسية والاجتماعية، وإنما باعتبارها تشريعات ترتبط بأحكام شرعية مستقرة يجب أن تظل حاضرة عند صياغة أي قانون ينظم شؤون الأسرة المصرية.
ومنذ النصف الأول من القرن العشرين وحتى اليوم، شهدت مصر أكثر من محاولة لتعديل قوانين الأحوال الشخصية أو إعادة صياغتها، وكانت هذه المحطات في كثير من الأحيان سببًا في مواجهات وصدامات بين شيوخ الأزهر والسلطة السياسية، سواء في العهد الملكي أو خلال عهود الرؤساء المتعاقبين، ففي بعض الأحيان وقف الأزهر رافضًا لمشروعات قوانين رأى أنها تتجاوز الأحكام الشرعية، وفي أحيان أخرى طالب بإعادة النظر في بعض المواد أو وضع ضوابط تضمن تحقيق التوازن بين حقوق جميع الأطراف، بينما انتقل في مراحل لاحقة من موقع المعترض أو المراجع إلى موقع المبادر بصياغة مشروع قانون متكامل يعبر عن رؤيته الشرعية لمعالجة أزمات الأسرة المصرية.
وعلى امتداد هذه المسيرة، سطرت أسماء بارزة من علماء الأزهر مواقف لا تزال حاضرة في الذاكرة، من الإمام الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي الذي رفض إخضاع الفتوى لرغبات القصر الملكي، إلى الإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود الذي تصدى لمحاولات تمرير تشريعات أسرية بعيدًا عن المرجعية الشرعية، مرورًا بالشيخ محمد متولي الشعراوي الذي دخل على خط الجدل المجتمعي حول قوانين الأسرة، وصولًا إلى الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب الذي قاد أول محاولة أزهرية متكاملة لصياغة مشروع قانون للأحوال الشخصية.
وفي السطور التالية، ترصد «فيتو» أبرز محطات حضور الأزهر في معارك الأحوال الشخصية، وكيف تعامل شيوخه عبر العصور مع محاولات تعديل القوانين المنظمة للأسرة المصرية، وما هي المواقف التي صنعت تاريخًا طويلًا من الجدل بين المرجعية الدينية والسلطة التشريعية والتنفيذية حول واحد من أكثر الملفات تأثيرًا في المجتمع المصري.
«لا أملك تحريم ما أحل الله».
معركة المراغي مع القصر الملكيمثّل الإمام الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي، شيخ الأزهر الأسبق، نموذجًا استثنائيًا في استقلالية العالم الأزهري وقدرته على مواجهة السلطة حين يتعلق الأمر بأحكام الشريعة وثوابتها، فقد عُرف بشخصيته القوية واعتزازه بمكانة العلماء، ورفضه الخضوع لأي ضغوط سياسية أو ملكية تمس الدين أو تنتقص من دور الأزهر ورسالته، وكان يؤمن إيمانًا راسخًا بأن العالم الشرعي مؤتمن على أحكام الله، وأن واجبه يقتضي الجهر بالحق مهما كانت مكانة الحاكم أو نفوذه.
لم يكن المراغي طالب منصب أو صاحب مطامع سياسية، بل انشغل طوال حياته بمشروع إصلاحي كبير هدفه النهوض بالأزهر وتطوير مناهجه وإعادة دوره الريادي في المجتمع، وعندما تولى مشيخة الأزهر قاد حركة تجديد واسعة، فطرح على الملك فؤاد مشروعًا متكاملًا لإصلاح المؤسسة الأزهرية واستحداث كليات وأقسام علمية جديدة تواكب احتياجات العصر ومتغيراته، غير أن المشروع قوبل بالرفض، فاختار الاستقالة على البقاء في منصب لا يستطيع من خلاله تنفيذ رؤيته الإصلاحية، قبل أن يعود إلى المشيخة بعد سنوات وسط تأييد واسع من علماء الأزهر وطلابه الذين رأوا فيه رمزًا للاستقلال والعزة.
ولم تقتصر إسهامات الإمام المراغي على تطوير الأزهر فحسب، بل امتدت إلى عدد من القضايا الفقهية والاجتماعية التي تمس الأسرة المصرية بشكل مباشر، ويُعد من أوائل العلماء الذين وضعوا الأسس الفقهية الحديثة لقانون الأحوال الشخصية، وأسهم في معالجة قضايا مهمة مثل «الوصية الواجبة»، كما دعا إلى فتح باب الاجتهاد والاستفادة من ثراء المذاهب الفقهية المختلفة بما يحقق مصالح الناس ويحافظ في الوقت ذاته على ثوابت الشريعة.
وكان يؤكد دائمًا ضرورة التيسير المنضبط ورفع الحرج عن الناس في القضايا الحياتية الكبرى، وهو ما جعل اجتهاداته تمثل نقطة تحول مهمة في الفكر الفقهي المعاصر.
وتظل واحدة من أشهر مواقفه شاهدة على استقلاله في مواجهة السلطة السياسية، حين طلب منه الملك فاروق إصدار فتوى تمنع الملكة فريدة من الزواج بعد طلاقها منه، غير أن الإمام الأكبر رفض الاستجابة لهذا الطلب، مؤكدًا أن أحكام الشريعة لا تخضع لأهواء الحكام أو رغباتهم الشخصية، ويُنقل عنه أنه قال للملك: «أما الطلاق فلا أرضاه، وأما التحريم فلا أملكه، ولا يمكن للمراغي أن يُحرِّم ما أحل الله»، وأوضح أن هذا الحكم لا يثبت إلا لزوجات النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز تطبيقه على غيرهن، وهو ما أثار غضب الملك فاروق، لكنه كشف في الوقت نفسه عن صلابة شيخ الأزهر وتمسكه بأحكام الشرع مهما كانت الضغوط.
كيف تصدى عبد الحليم محمود لمشروع القانون المثير للجدل؟وإذا كان الإمام الأكبر الشيخ محمد مصطفى المراغي قد رسخ مبدأ استقلال العالم الأزهري أمام السلطة السياسية، فإن الإمام الأكبر الشيخ عبد الحليم محمود أعاد تأكيد هذا المبدأ بعد عقود طويلة، عندما خاض أكثر من معركة دفاعًا عن مكانة الأزهر ومرجعيته الشرعية، مؤمنًا بأن الحفاظ على الأسرة المسلمة وصيانة أحكام الشريعة مسؤولية لا تقبل المساومة أو المجاملة، حيث عرف الشيخ عبد الحليم محمود بمكانته العلمية الرفيعة وشخصيته القوية، وكان يرى أن شيخ الأزهر لا يمثل مؤسسة مصرية فحسب، بل يحمل مسؤولية دينية تجاه المسلمين في مختلف أنحاء العالم، ولذلك لم يتردد في مواجهة أي إجراء يراه منتقصًا من دور الأزهر أو مخالفًا لأحكام الشريعة الإسلامية، حتى وإن جاء من أعلى مستويات السلطة في الدولة.
ومن أبرز المواقف التي جسدت تمسكه باستقلال الأزهر، الأزمة التي اندلعت بعد توليه مشيخة الأزهر بفترة قصيرة، حين صدر قرار جمهوري كاد يجرد شيخ الأزهر من معظم صلاحياته ويقلص من مكانة المنصب التاريخية، ولم يقبل الإمام الأكبر بهذا الوضع، فقدم استقالته في يوليو 1974، بعد أقل من ثلاثة أشهر على توليه المشيخة، وأرسل إلى الرئيس أنور السادات خطابًا شرح فيه أسباب اعتراضه وتمسكه بالحفاظ على مكانة الأزهر واستقلاله، وأمام هذا الموقف الحاسم، انتهت الأزمة بإصدار قرار يعيد الاعتبار لمنصب شيخ الأزهر ويحفظ له مكانته، ليعود الإمام الأكبر إلى موقعه بعدما انتصر لمبدأ استقلال المؤسسة الدينية وعدم خضوعها للانتقاص أو التهميش.
لكن المعركة الأبرز التي خاضها الشيخ عبد الحليم محمود في ملف الأسرة والأحوال الشخصية جاءت عندما أُثيرت محاولات لإصدار مشروع قانون للأحوال الشخصية دون الرجوع إلى الأزهر الشريف باعتباره المرجعية الدينية المختصة، ففي ذلك الوقت سعت الدكتورة عائشة راتب، وزيرة الشؤون الاجتماعية في تلك الفترة، إلى تمرير مشروع القانون بصورة عاجلة، متضمنًا عددًا من المواد التي رأى علماء الأزهر أنها تفرض قيودًا على حقوق الزوج بما يتعارض مع الأحكام الشرعية المستقرة، وأدرك الإمام الأكبر خطورة تجاوز الأزهر في قضية تمس الأسرة المصرية بشكل مباشر، فبادر إلى إصدار بيان شديد اللهجة حذر فيه من مغبة الخروج على أحكام الشريعة الإسلامية في تنظيم العلاقات الأسرية، مؤكدًا أن أي تشريع يتعلق بالأحوال الشخصية يجب أن يستند إلى الأصول الشرعية المعتبرة، ولم يكتف بإعلان موقفه داخل أروقة الأزهر، بل أرسل البيان إلى كبار المسؤولين وأعضاء مجلس الشعب والصحف، في محاولة لتنبيه الرأي العام إلى خطورة تمرير القانون بصيغته المطروحة.
وأثار موقف الإمام الأكبر حالة واسعة من الجدل، حتى إن تعليمات صدرت إلى بعض الصحف بعدم نشر بيانه، بينما عقدت الحكومة اجتماعات لمناقشة تداعيات الأزمة التي أثارها موقف شيخ الأزهر، ومع تصاعد الاعتراضات الشرعية، لم تجد الحكومة مخرجًا سوى الإعلان عن عدم وجود اتجاه لتعديل قانون الأحوال الشخصية بالصورة التي كانت مطروحة آنذاك، وهو ما اعتبره كثيرون انتصارًا واضحًا لموقف الأزهر ونجاحًا للإمام عبد الحليم محمود في إجهاض مشروع القانون قبل أن يصل إلى مرحلة الإقرار.
من قانون جيهان إلى تعديلات الحضانة.
محطات الشعراوي في الدفاع عن الشريعةوإذا كان الإمام الأكبر محمد مصطفى المراغي قد دافع عن استقلال الفتوى في مواجهة القصر الملكي، والإمام عبد الحليم محمود قد تصدى لمحاولات تجاوز الأزهر في تشريعات الأسرة، فإن الشيخ محمد متولي الشعراوي خاض معركته الخاصة دفاعًا عن المرجعية الشرعية في مواجهة موجة من التعديلات القانونية التي شهدتها مصر خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين، فلم يكن الشعراوي مجرد داعية ذائع الصيت أو مفسر للقرآن الكريم التف حوله الملايين عبر شاشات التلفزيون، بل كان صاحب حضور مؤثر في القضايا العامة التي تمس المجتمع والأسرة المصرية، ومن هذا المنطلق تابع باهتمام بالغ النقاشات التي دارت حول قوانين الأحوال الشخصية، ورأى أن أي تعديل في هذا الملف الحساس يجب أن ينطلق من أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها، لا من ضغوط اجتماعية أو اعتبارات سياسية عابرة.
وبرز موقفه بصورة واضحة مع صدور ما عُرف إعلاميًا باسم «قانون جيهان» عام 1979، وهو القانون الذي تضمن تعديلات واسعة في بعض مسائل الأحوال الشخصية المتعلقة بالزواج والطلاق وحقوق الزوجة، وقد أثارت هذه التعديلات جدلًا كبيرًا داخل الأوساط الدينية والقانونية آنذاك، وكان الشيخ الشعراوي من أبرز الأصوات التي أبدت تحفظات على عدد من بنودها، معتبرًا أن بعض المواد المطروحة تمثل خروجًا على ما استقر عليه الفقه الإسلامي في تنظيم العلاقات الأسرية، وتتحدث روايات متداولة عن وقوع خلافات حادة بين الشيخ الشعراوي وبعض الداعمين لهذه التعديلات، وفي مقدمتهم السيدة جيهان السادات، إذ رأى الشيخ أن التشريعات المنظمة للأسرة لا ينبغي أن تُبنى على اعتبارات ظرفية أو استثنائية، وإنما يجب أن تستند إلى الأصول الشرعية المستقرة التي تحفظ توازن الحقوق والواجبات داخل الأسرة المصرية، وقد دفع تمسكه بهذا الموقف إلى الابتعاد عن مواقع السلطة التنفيذية، مفضلًا الحفاظ على استقلال رأيه الشرعي وعدم الارتباط بأي مواقف قد تُفسر باعتبارها تأييدًا لما لا يقتنع به من الناحية الفقهية.
ومع انتقال مصر إلى مرحلة جديدة في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، ظل الشيخ الشعراوي متابعًا للنقاشات المتصلة بملف الأحوال الشخصية، لا سيما القضايا المرتبطة بالحضانة والرؤية والولاية وغيرها من الملفات التي شهدت مطالبات متكررة بإدخال تعديلات تشريعية عليها، وكان يرى أن الحفاظ على استقرار الأسرة يقتضي الالتزام بالمرجعية الإسلامية عند صياغة القوانين، محذرًا من التعامل الانتقائي مع الأحكام الشرعية أو اقتطاع بعضها بمعزل عن بقية المنظومة المتكاملة التي جاء بها الإسلام لتنظيم الحياة الأسرية.
وفي إطار رؤيته الفقهية، كان للشعراوي مواقف واضحة في عدد من القضايا المتعلقة بالحضانة والولاية على الأطفال، إذ دافع عن الآراء الفقهية التي تمنح الأب دورًا محوريًا في تربية الأبناء ورعايتهم، كما دعا إلى الحفاظ على التوازن بين حقوق الأم وحقوق الأب بما يحقق المصلحة الفضلى للطفل ويحافظ على تماسك الأسرة، كذلك كان يؤكد أهمية توثيق عقود الزواج حفظًا للحقوق ومنعًا للنزاعات، مع التمييز بين صحة العقد من الناحية الشرعية وبين الإجراءات القانونية المنظمة له.
وتكشف روايات نقلها مقربون من الشيخ، من بينهم نجله عبد الرحيم الشعراوي، عن استمرار تمسكه بموقفه الرافض لبعض التعديلات التي طُرحت في ملف الأحوال الشخصية خلال السنوات الأخيرة من حياته، ووفقًا لهذه الروايات، فقد طُلب منه تأييد بعض التعديلات المتعلقة بالحضانة والرؤية وغيرها من القضايا الأسرية، إلا أنه رفض ذلك مؤكدًا موقفه المعروف من ضرورة التعامل مع أحكام الشريعة باعتبارها منظومة متكاملة لا تقبل الانتقاء أو التجزئة، وهي الرؤية التي لخصها في عبارته الشهيرة: «يا تاخدوا الشرع كله يا تسيبوه كله»، لتصدر الرواية التوجيهات بعد ذلك بمنع إذاعة حلقاته برنامجة الشهير عبر شاشة التليفزيون المصري.
مشروع الأزهر الغائب عن البرلمان.
حكاية قانون لم ير النوروعلى امتداد عقود طويلة، ارتبط حضور الأزهر الشريف في ملف الأحوال الشخصية بالدفاع عن المرجعية الشرعية والتصدي لأي تشريعات يرى أنها تتعارض مع أحكام الإسلام أو تهدد استقرار الأسرة المصرية، غير أن مرحلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شهدت تطورًا لافتًا في هذا المسار؛ إذ لم يكتف الأزهر بإبداء الرأي في المشروعات المطروحة أو الاعتراض عليها، بل بادر إلى إعداد مشروع متكامل لقانون الأحوال الشخصية، سعيًا لتقديم رؤية شرعية وقانونية متوازنة تعالج المشكلات المتراكمة التي تواجه الأسرة المصرية.
وفي هذا الإطار، أصدر الإمام الأكبر في 18 أكتوبر 2017 قرارًا بتشكيل لجنة متخصصة لإعداد مقترح مشروع قانون لتعديل بعض أحكام القوانين المصرية المتعلقة بالأحوال الشخصية، بما يضمن توسيع نطاق الحفاظ على حقوق الأسرة المصرية وتحقيق قدر أكبر من الاستقرار الأسري، وضمت اللجنة نخبة من كبار الفقهاء والقانونيين والمتخصصين، وعقدت أكثر من ثلاثين اجتماعًا ناقشت خلالها مختلف القضايا المرتبطة بالزواج والطلاق والحضانة والنفقة والرؤية والولاية، قبل أن تنتهي من إعداد مشروع متكامل أحيل إلى هيئة كبار العلماء باعتبارها أعلى مرجعية شرعية في الأزهر الشريف.
وأكد الأزهر آنذاك أن مشروعه استند إلى رؤية تسعى لتحقيق التوازن بين جميع أطراف العلاقة الأسرية، بعيدًا عن الانحياز لأي طرف على حساب الآخر، مع وضع مصلحة الطفل في مقدمة الاعتبارات باعتباره الأكثر تأثرًا بالخلافات الأسرية، كما تضمن المشروع عددًا من الضوابط التي استهدفت تعزيز استقرار الأسرة المصرية، وتنظيم الحقوق والواجبات بين الزوجين، وضمان نفقة عادلة للمطلقة والأبناء، إلى جانب وضع آليات أكثر فاعلية لتنفيذ الأحكام القضائية المتعلقة بشؤون الأسرة، بما يحد من النزاعات الممتدة ويحافظ على التماسك المجتمعي.
ورغم ما حظي به المشروع من اهتمام واسع داخل الأوساط الدينية والقانونية، وما أثير حوله من كونه أحد أكثر المشروعات توازنًا في معالجة أزمات الأحوال الشخصية، فإنه لم يتحول إلى مشروع قانون يناقش بصورة رسمية داخل المسار التشريعي، وظل بعيدًا عن دائرة الإقرار البرلماني، كما شهدت تلك الفترة إشادة من الرئيس عبد الفتاح السيسي بمشروع الأزهر للأحوال الشخصية، في إطار التأكيد على أهمية الوصول إلى صيغة تحقق الاستقرار وتحافظ على حقوق جميع أفراد الأسرة.
ومع تجدد النقاشات البرلمانية حول مشروع جديد للأحوال الشخصية خلال الفترة الأخيرة، التزم الأزهر الشريف لفترة الصمت حيال المشروع المتداول، قبل أن يصدر بيانًا أوضح فيه أن مشروع القانون محل النقاش لم يُعرض عليه رسميًا، وأن الأزهر لم يشارك في صياغته بأي صورة من الصور، كما أكد أن لديه مشروعًا متكاملًا سبق أن أعدته لجنة من هيئة كبار العلماء والمتخصصين، وتم تقديمه منذ عام 2019، وأنه لا يعلم مدى توافق المشروع المطروح مع الرؤية التي انتهى إليها الأزهر من عدمه، وشدد الأزهر في بيانه على أنه سيبدي رأيه الشرعي في أي مشروع قانون للأحوال الشخصية فور إحالته إليه رسميًا من مجلس النواب، وفقًا لما جرى عليه العرف الدستوري والقانوني، باعتباره المرجعية الشرعية المختصة في مثل هذه القضايا التي تمس الأسرة المصرية بشكل مباشر.
وفي أكثر من مناسبة، أكد الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب أن مشروع الأزهر للأحوال الشخصية انطلق من أحكام الشريعة الإسلامية بمذاهبها الفقهية المعتبرة، وسعى إلى تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات، واضعًا نصب عينيه مصلحة الأسرة ككل، وليس مصلحة طرف على حساب آخر، كما شدد على أن الشريعة الإسلامية جاءت لحماية المرأة وإنصافها، مؤكدًا أن كثيرًا من صور الظلم التي تعرضت لها النساء عبر التاريخ ترجع إلى العادات والتقاليد الخاطئة لا إلى أحكام الدين، وأوضح الإمام الأكبر أن العلاقة الزوجية في الإسلام قائمة على المعروف والرحمة والاحترام المتبادل، مستشهدًا بقوله تعالى: «فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ»، وقوله سبحانه: «وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ»، وقوله عز وجل: «وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا»، مؤكدًا أن هذه النصوص تمثل الأساس الذي ينبغي أن تنطلق منه أي تشريعات تنظم شؤون الأسرة وتحفظ حقوق جميع أفرادها.
وبذلك مثلت مرحلة الإمام الأكبر أحمد الطيب محطة مختلفة في تاريخ علاقة الأزهر بقوانين الأحوال الشخصية؛ إذ انتقلت المؤسسة من موقع الدفاع عن المرجعية الشرعية ومواجهة المشروعات المثيرة للجدل، إلى موقع المبادرة وصياغة مشروع تشريعي متكامل يعبر عن رؤيتها لتحقيق التوازن بين أحكام الشريعة ومتطلبات الواقع، في إطار الحفاظ على استقرار الأسرة المصرية وصون حقوق المرأة والطفل والرجل على السواء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك