في ذروة النكبة، وقبل استشهاده بساعات، كتب القائد الفلسطيني عبد القادر الحسيني عبارته الشهيرة: " أحمّلكم المسؤولية بعد أن تركتم جنودي في أوج انتصاراتهم بلا عون ولا سلاح".
لم تكن تلك مجرد صرخة قائد في معركة القسطل عام 1948، بل بدت، بعد نحو ثمانية عقود، توصيفاً مبكراً لحالة عربية مستمرة من العجز والتراجع أمام الصهيونية التوسعية، التي لم تتوقف يوماً عند حدود أو جغرافيا.
المفارقة الكبرى اليوم أن فلسطين، في بعض العواصم الغربية، تبدو أكثر حضوراً أخلاقياً وسياسياً مما هي عليه في محيطها العربي الرسمي.
هناك، في الجامعات والشوارع والنقابات ووسائل الإعلام، تتسع دوائر الوعي بحقيقة ما جرى ويجري: استعمار استيطاني، تطهير عرقي، إبادة ممنهجة، وتحويل إرهاب العصابات الصهيونية الأولى إلى عقيدة دولة ومجتمع.
لم تعد الرواية عن" أرض بلا شعب" أو" الدفاع عن النفس" قادرة على إخفاء مشهد الفاشية المتصاعدة، ولا عربدة أمثال إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، اللذين يرفعان علناً شعارات الإبادة والاستيطان و" إسرائيل الكبرى".
في المقابل، يبدو النظام الرسمي العربي غائباً إلى حد التلاشي، حتى لتبدو الجامعة العربية عاجزة عن حماية الحد الأدنى من كرامتها السياسية.
ولم تعد القضية خلافاً حول فصيل أو سلطة، بل باتت صراعاً بين الحرية والقوة التدميرية، وبين حق شعب في الحياة ومشروع يسعى إلى محوه.
ما يجري في فلسطين، وصولاً إلى جنوب لبنان وسورية، يكشف صهيونية توسعية لم تعد تخفي عنصريتها، من الاعتداءات على الأقصى، إلى الدعوات العلنية إلى التهجير والاستيطان والاعتداء على المسيحيين وكنائسهم في القدس، يتجلى انحدار أخلاقي وسياسي لا يواجهه عربياً سوى الصمت والبيانات الباردة.
الأشد قسوة أن التضامن مع فلسطين بات، لدى بعض العرب، أقرب إلى التهمة: تُمنع الأعلام، ويُلاحق المتضامنون، ويُسمح بمواقف عنصرية منها، ويُذل مرضاها على المعابر، فيما يغامر متضامنون غربيون بعبور البحار لكسر حصار غزة بدافع إنساني غاب عربياً.
وبينما يراها ملايين الغربيين قضية عدالة وحرية، ينشغل بعض العرب بتحميل الضحية مسؤولية مأساتها.
ليست القضية تمجيداً للغرب، الشريك التاريخي في المأساة الفلسطينية، لكن المفارقة أن قطاعات واسعة داخله باتت ترى ما ترفض بعض الأنظمة العربية الاعتراف به: أن فلسطين ليست نزاعاً عابراً، بل اختبار أخلاقي وسياسي عميق.
لهذا تبدو اليوم، في وعي كثيرين، أقرب إلى ضمير عالمي منها إلى قضية عربية رسمية.
أما الذين يظنون النجاة بالصمت أو التواطؤ، فقد يجدون أنفسهم يوماً يرددون العبارة ذاتها: " أُكلنا يوم أُكل الثور الأبيض".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك