هذا ما رأيتُه في مغاسل الأموات، حيث لا يرتفع صوتٌ، ولكن كل شيء يتكلم؛ حيث الصمت ليس فراغًا، بل خطابٌ مهيب، ينساب في القلب قبل الأذن، ويترك أثره في الروح قبل الفكر.
في زمنٍ مضى، كنت أشارك في تجهيز الجنائز محتسبًا، أدخل المغاسل بثوبي الأبيض، وأخرج منها كل مرة وأنا أحمل في صدري ثِقلاً لم أكن أظن أن النفس تطيقه، فقد كنت أتعلم ظاهر العمل: كيف تُغسّل الأجساد، وكيف يُهيّأ الميت لرحلته الأخيرة، غير أني، مع تكرار المشهد، بدأت أتعلم ما هو أعمق من ذلك بكثير؛ تعلمت كيف يواجه الإنسان حقيقة الموت حين يقف أمامها بلا حواجز، ولا أعذار، ولا قدرة على الالتفاف.
كانت المغاسل بالنسبة لي عالمًا آخر، عالمًا صامتًا في ظاهره، لكنه في حقيقته ممتلئٌ بالمعاني التي لا تُقال، حيث يتجلى الموت، هادم اللذات، لا يستأذن، ولا يمهّل، ولا يترك للإنسان فرصة للمراجعة أو التدارك، بل يفاجئه على حين غفلة، فينتزع الحياة منه انتزاعًا، ويضع أمام من يشهد المشهد حقيقةً واحدة لا تقبل الجدل: أن كل شيء إلى زوال، وأن الباقي حقًّا هو ما قدّمه الإنسان لنفسه.
وفي تلك المغاسل، كان للجوّ رهبةٌ خاصة، لا من حيث الحِسّ فحسب، بل من حيث ما يثيره في الداخل؛ إذ تختلط رائحة الماء بالكافور والحنوط، في مشهدٍ يذكّر بالنهاية، لا بوصفها صورة مخيفة، بل بوصفها حدًّا فاصلاً لا يتجاوزه أحد، وتتعالى في المكان أصوات خافتة، لا تكاد تُسمع، لكنها كافية لأن توقظ في النفس شعور المراقبة والمساءلة، حتى ليخيّل إليك أن المكان بأسره يختبر صدقك، لا مهارتك.
وهنا، لا يكون التعامل مع الأجساد مجرد عملٍ يُؤدّى، بل تجربةٌ تُعيد تشكيل نظرتك إلى الحياة؛ فأنت تقف أمام أجسادٍ مختلفة في هيئاتها، متشابهة في مصيرها: جسدٌ يبدو وكأنه قاوم حتى اللحظة الأخيرة، وآخر استسلم في هدوء، وثالثٌ كأن آثار الانفعال لا تزال مرتسمة عليه، ورابعٌ هادئ السكون، كأنما فارق الدنيا على طمأنينة، وفي كل صورة من هذه الصور درسٌ لا يُقال، لكنه يُفهم.
وعندما تتعامل مع جسدٍ أثقلته الحياة بما فيها، وتبدو عليه آثار الإهمال أو القسوة، فإن المشهد لا يكون موضع اشمئزاز بقدر ما يكون موضع اعتبار؛ إذ تدرك أن الإنسان لا يخرج من دنياه إلا بما كان عليه فيها، وأن الأثر الذي يتركه العمل في صاحبه ليس معنويًا فحسب، بل قد يمتد ليكون حاضرًا في آخر مشاهده، وهنا يتسلل إلى النفس سؤالٌ لا يمكن دفعه: كيف عشت؟ وبأي حالٍ تلقى ربك؟وعلى الجانب الآخر، حين تقع يداك على جسدٍ هادئ، لينٍ، ساكن، كأن الطمأنينة ما زالت تحيط به، فإنك لا تملك إلا أن تشعر بأن العمل الصالح يترك أثره العميق، لا في السيرة فحسب، بل حتى في الخاتمة، وهنا يتحول الفعل الظاهر – وهو الغسل – إلى معنى باطن، كأن الذي يُغسل في الحقيقة هو القلب، إذ يلين، ويخشع، ويستعيد وعيه بحقيقة ما هو مقبل عليه.
ثم يأتي مشهد التكفين، حيث يُلفّ الجسد في كفنٍ أبيض بسيط، لا يحمل علامةً تميّز صاحبه، ولا يشير إلى جاهٍ أو منصب، وفي هذه اللحظة تحديدًا تتجلى حقيقة الدنيا بأكملها؛ إذ ينتهي كل تفاخر، وتسقط كل الفوارق، ويُختصر العمر الطويل في قطعة قماش صامتة، تختزن قصة كاملة دون أن تنطق بحرف.
تُقام الصلاة، ويُرفع الدعاء، وتمضي اللحظات سريعًا، كأنها تذكير بأن ما بقي أقل مما مضى، ثم يُحمل الجثمان، ويسير به المشيعون في صمتٍ يثقل الخطى، حتى يصل إلى موضعه الأخير، حيث يُوضع في حفرة ضيقة، لا يصحبه فيها أحد، ولا ينفعه فيها إلا عمله.
وهناك، عند هذا الحدّ الفاصل، حيث يُهال التراب حفنةً بعد حفنة، ويغيب الجسد عن الأنظار، يحضر المعنى بكامل ثقله، إذ تدرك أن الإنسان، مهما طال به العمر، ومهما كثر حوله الناس، فإنه يلقى هذه اللحظة وحده، لا يشاركه فيها إلا ما قدّمه، ولا يرافقه إلا أثر عمله.
وفي هذا المقام، حيث لا ينفع الادعاء، ولا تُقبل المجاملة، تتجلى الأسئلة التي لا مهرب منها: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ وهي أسئلة لا تُجاب يومئذٍ بكثرة الكلام، وإنما تُجاب بسيرةٍ سابقة، وبقلبٍ عرف الحق فاستقر عليه، وبجوارح ألفت الطاعة حين كانت قادرة على الاختيار.
وهنا يرسخ في النفس ذلك الميزان الذي لا يختل: ﴿مَن عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾، فيكون النور بعد الضيق، والطمأنينة بعد الخوف، ﴿وَمَن أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾، فيكون الندم حيث لا ينفع الندم، ويكون الضيق حيث لا مخرج.
وهكذا يمضي الإنسان في حياته، يأنس بطول الأمل، ويغفل عن قرب الأجل، حتى يُحمل يومًا كما حُمل غيره، صامتًا، إلى موضعٍ لا يقبل إلا الصدق، ولا يُبقي إلا ما كان خالصًا.
وتذكّر ـ أيها القارئ ـ أنك يومًا ما ستكون نسيًا منسيًّا، قد انقطعت عنك الأسباب، وانفضّ من حولك الأحباب، ولم يبقَ لك إلا عملك؛ فاعمل بما جاء عن النبي ﷺ، واستمسك بهديه ظاهرًا وباطنًا، فقد قال ﷺ: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، فهذه هي البقايا التي تمتد بعد الفناء، وهذه هي التجارة التي لا تبور.
اللهم إذا صرنا إلى ذلك الموقف، فلا تفضحنا بسوء أعمالنا، ولا تؤاخذنا بما فرّطنا، واجعل قبورنا روضاتٍ من رياض الجنة، وثبّت أجوبتنا، وأحسن ختامنا، واجعل مآلنا إليك آمنًا مطمئنًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك