في حديث امتزج فيه الأدب بالذاكرة، والحنين بالألم، استعاد الكاتب والصحافي الجزائري محمد دحو محطات من حياته وتجربته الإبداعية، متنقلًا بين طفولة ريفية هادئة، وسنوات العنف التي عاشتها الجزائر، وأسئلة الكتابة والمنفى والهوية.
وخلال استضافته في برنامج" مطالعات" الذي تقدمه الكاتبة نجوى بركات، بدا دحو وكأنه يكتب شفهيًا، يستحضر الأب والثورة والنهر والمدينة، ويعيد تفكيك علاقة الكاتب بالصحافة والذاكرة، بالتزامن مع صدور مجموعته القصصية" الرجل الذي يضحك كثيرًا" وروايته الجديدة" الأسير".
محمد دحو يعيد تعريف القصة القصيرةأكد دحو أن القصة القصيرة لم تعد خاضعة للشكل التقليدي المعروف، معتبرًا أنها قد تكون وصفًا لحالة أو مشهدًا مفتوحًا يترك للقارئ حرية استكمال المعنى.
وقال إن الكتابة الحديثة باتت تتداخل مع الشعر والمسرح والسينما، مضيفًا أن" القصة لحظة وانفجار وجملة مكثفة".
وأوضح أن تجربته الأدبية تشكلت عبر قراءات واسعة لأسماء عالمية وعربية، من بينها إرنست همنغواي وليو تولستوي وإدغار آلان بو، إلى جانب كتاب جزائريين مثل الطاهر وطار، مؤكدًا أن" القراءة تصنع ذاكرة الكاتب وتشكله الفني".
وأشار إلى أنه بدأ حياته شاعرًا قبل أن يتجه إلى القصة والرواية، مردفًا أن الأدب ليس" وحيًا" فقط، بل تعب وجهد وعمل يومي متواصل.
وتحدث دحو عن مسيرته الإعلامية التي تنقل خلالها بين الصحافة الجزائرية والتلفزيون الجزائري، ثم القاهرة والشارقة والدوحة، حيث عمل في مؤسسات إعلامية عربية عدة.
ورأى أن الصحافة منحت تجربته الأدبية احتكاكًا واسعًا بالمجتمع والسياسة والثقافة، لكنها في الوقت نفسه" سرقت الكثير من وقت الكتابة".
" العشرية السوداء" في الجزائر حاضرة في أعماله الأدبيةوتوقف دحو عند حضور الجزائر في نصوصه، خصوصًا سنوات" العشرية السوداء"، التي وصفها بأنها مرحلة" الدم والرصاص" التي خلفت خرابًا سياسيًا وثقافيًا وإنسانيًا في البلاد.
وكشف أنه عاش تلك المرحلة بشكل مباشر أثناء عمله الصحفي في الجزائر، قبل أن يغادر البلاد عام 1994 بعد تعرض منزل عائلته لاعتداء من جماعات مسلحة هددته بالقتل بسبب عمله الإعلامي.
وقال إن تلك السنوات تركت أثرًا عميقًا في داخله، مضيفًا: " رأيت الموت والرؤوس المقطوعة في الشوارع، ولا تزال تلك الصور تنزف في ذاكرتي".
وأكد أن أعماله الأدبية لا تسعى إلى إصدار أحكام سياسية، بقدر ما تحاول استعادة الوجع الإنساني الذي عاشه الجزائريون خلال تلك المرحلة.
الطفولة والأب والجزائر في ذاكرة محمد دحووفي جانب آخر من الحوار، تحدث الكاتب الجزائري عن طفولته في الريف، معتبرًا أنها شكلت مصدرًا دائمًا للحنين والكتابة.
وأوضح أن النهر والحقول وذاكرة القرية حاضرة بقوة في نصوصه، إلى جانب صورة والده الذي وصفه بأنه رمز للصدق والانتماء والكرامة.
وروى دحو تفاصيل من سيرة والده الذي شارك في الثورة الجزائرية ورفض التعاون مع الفرنسيين، مشيرًا إلى أن القضية الفلسطينية كانت حاضرة في البيت الجزائري الذي نشأ فيه.
وقال إن الجزائر بالنسبة له" بلد المقاومة والثقافة والكرامة"، مؤكدًا شعوره بالفخر بالانتماء إليها رغم الأزمات التي مرت بها.
رواية" الأسير" تربط فلسطين بالتاريخ الجزائريوحول روايته" الأسير"، أوضح دحو أنها تجمع بين فنان تشكيلي جزائري يعيش أزمات نفسية ووجودية، وخطاط جزائري من القرن السابع عشر وقع في الأسر بمالطا خلال الحقبة العثمانية.
وأشار إلى أنه كتب الرواية خلال الحرب على غزة، وأنه أهداها إلى الأسرى الفلسطينيين وكل" المعذبين في الأرض"، مؤكدًا أن الرواية تحاول الربط بين الذاكرة الجزائرية وأسئلة الحرية والمنفى والاحتلال.
وفي ختام حديثه، شدد دحو على أن الكاتب الحقيقي يطلب من قارئه بذل جهد مماثل لفهم النص والتفاعل معه، لأن الأدب بالنسبة له" بحث دائم عن المعنى، وليس تقديم إجابات جاهزة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك