غزة- «القدس العربي»: كانت عقارب الساعة تشير إلى الهدوء الحذر في محيط «دوار حيدر» غربي مدينة غزة، حيث انسابت بعض المركبات في شوارع لم تعد تعرف من الأسفلت سوى ذكريات قديمة.
في تلك اللحظة، من ظهيرة الثامن والعشرين من نيسان / أبريل 2026، كان المواطنون يحاولون ممارسة «وهم الحياة» في ظل تهدئة هشة، قبل أن يمزق جدار الصمت صوت انفجار مروع حول مركبة من طراز «جيب» إلى كتلة من اللهب والمعدن المنصهر، ليرتقي أربعة شهداء في غمضة عين.
يروي وائل انشاصي، وهو شاهد عيان كان يسير على مقربة من موقع الاستهداف، تفاصيل اللحظات المرعبة، قائلاً لـ»القدس العربي»: «كنا نسير بأمان، وفجأة استهدف الاحتلال السيارة أمام أعيننا.
المنطقة كانت آمنة تماماً ولا يوجد بها أي نشاط عسكري، لكن لا أمان في غزة في أي مكان.
نحن نمر بظروف قاسية؛ قصف ودمار وحصار، حتى إن شبح المجاعة بدأ يعود مجدداً ليطارد أطفالنا».
ويضيف وائل، بنبرة يملؤها القهر وهو ينظر إلى بقع الدماء التي غطت المكان: «قصفوا السيارة فجأة ونحن نسير بجوارها كمدنيين عاديين».
ويشير إلى ما سماه «أكذوبة الهدنة»: «القصف في كل مكان والحرب لا تزال مستمرة بشدة، رغم أن الإعلام يروج أحياناً لهدوء الأوضاع، لكن الواقع هنا يصرخ بغير ذلك.
لقد قتلوا الصحافيين والطواقم الإغاثية ليغيبوا الحقيقة، وهذا الاستهداف خرق فاضح لأي حديث عن وقف إطلاق النار».
لم تكن تلك الجريمة سوى حلقة في سلسلة طويلة من استهداف السيارات المدنية في قطاع غزة، والتي تضرب عرض الحائط باتفاق وقف إطلاق النار الساري منذ تشرين الأول / أكتوبر الماضي.
فمنذ منتصف تشرين الأول / أكتوبر 2025 وحتى 28 نيسان / أبريل 2026، وثقت «القدس العربي» أكثر من 8 استهدافات مباشرة لمركبات مدنية، في سياسة يبدو أنها تهدف إلى شل حركة الإغاثة وترهيب وعزل ما تبقى من سكان في القطاع المنكوب.
قبل حادثة «دوار حيدر» بخمسة أيام فقط، وتحديداً في 23 نيسان / أبريل، وقع المشهد ذاته على «شارع صلاح الدين» شمال مخيم المغازي وسط القطاع.
طائرة استطلاع إسرائيلية أطلقت صاروخاً مباشراً تجاه سيارة مدنية كانت تجتاز مدخل المخيم، ما أدى إلى ارتقاء 3 مواطنين وتحول أجسادهم إلى أشلاء نُقلت بصعوبة إلى «مستشفى شهداء الأقصى» في دير البلح.
الحادثة وقعت في ذروة حركة المواطنين الذين يستخدمون هذا الشريان الرئيسي للتنقل بين وسط القطاع وجنوبه، ما أكد للمراقبين أن الاحتلال يتعمد استهداف المركبات في المحاور الرئيسية لقطع أوصال المدن المحاصرة أصلاً، وتحويل كل تحرك مدني إلى مغامرة محفوفة بالموت.
استهداف درع الصحافة والعمل الإنسانيوفي الثامن من نيسان / أبريل، كان شارع «الرشيد» الساحلي شاهداً على جريمة أخرى.
وحسب محمود بصل، المتحدث باسم جهاز الدفاع المدني في غزة، فإن طائرات الاحتلال أطلقت صاروخاً مباشراً نحو السيارة التي كان يستقلها الشهيد الصحافي محمد وشاح أثناء مروره بالقرب من «مفترق النابلسي».
8 حوادث استهداف لسيارات مدنية وإغاثية في غزة منذ تشرين الأول أسفر الهجوم عن استشهاد وشاح على الفور بعد أن اشتعلت النيران في سيارته بالكامل.
ووصفت فرق الدفاع المدني التي هرعت إلى الموقع الظروف الميدانية أنها كانت «شديدة الصعوبة»، حيث تسابقوا مع الزمن لإخماد الحريق وانتشال ما تبقى من الجثمان، وسط تحليق مكثف للطيران الحربي الإسرائيلي الذي لم يغادر سماء المنطقة.
مأساة «منظمة الصحة العالمية»وفي واحدة من أخطر الحوادث التي مست المنظمات الدولية، تعرض فريق يتبع لـ»منظمة الصحة العالمية» لاستهداف مباشر في السادس من نيسان / أبريل 2026.
ففي تمام الساعة 08: 45 صباح ذلك اليوم، فتحت قوات الاحتلال المتمركزة شرقي «شارع صلاح الدين» في خان يونس نيرانها بكثافة تجاه مركبة مدنية مستأجرة وباص تجاري صغير يسيران في منطقة «السطر الشرقي».
أسفر إطلاق النار عن استشهاد السائق مجدي أصلان، البالغ 52 عاماً، وإصابة ثلاثة عمال آخرين كانوا يستقلون الحافلة التابعة لشركة تجارية.
ويشير «المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان» إلى أن هذا الفريق الطبي كان يتوجه يومياً إلى مستشفى الأمل التابعة لـ»جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني» لمراجعة ملفات المرضى المرشحين للسفر عبر معبر رفح، وهو مسار إنساني بحت ومعلن مسبقاً.
أحد المصابين أفاد أن الرصاص انهمر عليهم «بشكل مفاجئ ومباشر»، رغم عدم وجود أي مظاهر تهديد، مشيراً إلى أنهم كانوا بصدد مهمة إنسانية لتوزيع ملابس على أيتام النازحين.
ودفعت هذه الحادثة «منظمة الصحة العالمية» إلى اتخاذ قرار مؤلم بتعليق عمليات الإجلاء الطبي للمرضى عبر رفح، احتجاجاً على انعدام الحماية، قبل أن تعاود العمل في 12 نيسان / أبريل بعد وعود دولية لم تمنع رصاص الاحتلال من الاستمرار.
«المواصي»… الأمان المستهدفولم تسلم منطقة «المواصي» غرب خان يونس، التي يزعم الاحتلال أنها منطقة إيواء آمنة، من هذا المسلسل.
ففي 17 آذار / مارس 2026، أعلنت «جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني» أن مستشفى المواصي الميداني استقبل 3 شهداء و12 مصاباً جراء قصف استهدف مركبة مدنية.
الشهداء، وفق «جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني»، كانوا يحيى أبو لبدة، والطفل تامر بركة البالغ من العمر 14 عاماً، وحامد محيي الدين السميري، في جريمة أكدت أن خرائط «المناطق الآمنة» ليست سوى حبر على ورق.
اغتيال الحقيقة في «الزهراء»وبالعودة إلى بداية العام، وتحديداً في 21 كانون الثاني / يناير 2026، استهدفت مسيرة إسرائيلية مركبة مدنية تابعة للجنة الإغاثة المصرية أثناء مهمة تصوير لمخيمات النازحين في مدينة «الزهراء» وسط القطاع.
وحسب محمود بصل، الناطق باسم الدفاع المدني، خلال حديثه لـ«القدس العربي»، فإن المركبة التي كانت تحمل شعار اللجنة بوضوح تفحمت بالكامل بفعل الصاروخ، ما أدى إلى وفاة ثلاثة صحافيين هم: محمد قشطة، وعبد الرؤوف شعث، وأنس غنيم.
لقد كان استهدافاً مباشراً للعين التي تنقل الحقيقة، وسعياً لإخفاء معالم المعاناة داخل مخيمات الإيواء.
وفي تشرين الثاني / نوفمبر 2025، وثقت المصادر الطبية في «مستشفى الشفاء» وصول أشلاء 5 شهداء سقطوا بعد استهداف سيارة مدنية قرب «مفترق العباس» غرب مدينة غزة.
المنطقة التي تكتظ بالنازحين شهدت حالة من الغضب العارم، حيث نقل المواطنون الضحايا بملابسهم الممزقة، وسط صرخات تندد بالصمت الدولي تجاه استهداف المدنيين في قلب الأحياء السكنية المأهولة.
عائلة «شعبان».
بداية حزينة للهدنةأما أقدم الحوادث التي نوثقها في هذا التقرير، فتعود إلى 18 تشرين الأول / أكتوبر 2025، حين استهدفت قوات الاحتلال مركبة عائلة «شعبان» في «حي الزيتون».
حينذاك صرح «مركز غزة لحقوق الإنسان» أن الغارة أسفرت عن استشهاد 11 مدنياً من عائلة واحدة، هي عائلة «شعبان»، بينهم سبعة أطفال وسيدتان.
وقال المركز إن هذا السلوك يعكس «استخفافاً سافراً بحياة المدنيين وإصراراً على مواصلة سياسة القتل» حتى في ظل الهدنة المفترضة.
خروقات بالجملة وحماية مفقودة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك