ياسمين عبد الله باحثة وكاتبة في مركز الإسكندرية للدراسات الهلنستية.
لها مقالات كثيرة، وكتب مثل»بيوت القاهرة: ترحال في حكايا الحجر» الذي كتبت عنه من قبل.
قدرتها البحثية والعلمية شجعتني على قراءة هذا الكتاب، الصادر هذا العام عن دار العين في القاهرة، فضلا عن إنه عن الإسكندرية مدينتي الضائعة.
عنوان الكتاب»رحلة تناجرا.
إسكندرية فين؟ ».
بعد بداية سريعة نعرف أن الكاتبة من مواليد الإسكندرية، لكنها في صباها ومدارسها، لم تكن ترى المدينة كما تسمع الحكايات في البيت عنها، ومالت إلى القاهرة أكثر.
لكن من هي تناجرا؟هي تماثيل صغيرة جميلة لرجال ونساء، تم العثور عليها في مقابر قديمة، وحملت اسم أكثر بلد يوناني اشتهر بها، وهي تناجرا.
تاريخ اكتشاف هذه التماثيل الصغيرة التي طولها ما بين ثلاثة سنتيمترات وثمانية عشر سنتيمترا.
تقطع بنا رحلة مع التماثيل، بيعها أو نهبها، حتى تدخلت الحكومة اليونانية عام 1874 لتنظيم المسألة.
كيف أحست وهي تنظر إلى التماثيل عبر الزجاج، في زيارة لها للمتحف اليوناني الروماني، إنها أيضا تناجرا.
ومن هنا جاء الكتاب، فتناجرا تقول لها اذهبي بنا إلى أصل الحكاية.
تدخل في الكتاب فتعرف إنه قبل تأسيس الإسكندر للمدينة عام 331 ق.
م كانت هناك أكثر من مدينة، مثل مدينة ثونيس هيراكليون، التي عثرت عليها بعثة المعهد الأوروبي للآثار منذ ربع قرن.
مدينة كانت في القرن الثامن قبل الميلاد، وكان يعيش فيها اليونانيون قبل الإسكندر.
كيف جاء ذكر معبد هيراكليون عند هيرودوت، وهو معبد للبطل اليوناني هيراكليس.
كذلك مدينة كانوبوس التي ظهر اسمها عند شاعر مثل سولون، في النصف الأول من القرن السادس قبل الميلاد، كما ذكرها أسخيليوس في مسرحيته «بروميثيوس مقيدا»، وذكرها أيضا هيرودوت، ومؤرخون مثل سترابو.
كيف جاءت الإسكندرية من حلم للإسكندر، فقد كان جوار مخدعه دائما صندوق ذهبي يحوي نسخة من إلياذة هوميروس، كانت معروفة بنسخة الصندوق، تتنقل معه في حملاته العسكرية.
يحكي الإسكندر كيف بعد غزو مصر، زاره هوميروس في أحلامه، وأخبره عن جزيرة فاروس في البحر المتوسط، وكيف عليه أن يضع حجر الأساس للمدينة التي لم يُخلق مثلها في البلاد.
أحاديث لمؤرخين عبر التاريخ، مثل ديودورس الصقلي وغيره، عن جمال المدينة، وشهادة سترابو وكتابه «الجغرافيا» الذي اعتمدت الكاتبة عليه كثيرا.
نأتي مثلا إلى نيكوبوليس، الضاحية التي بنيت شرق الإسكندرية، كيف جاء الأمر مما فعله الإسكندر من قبل حين انتصر على الفرس، فبنيت مدينة إسكندرونة في تركيا، وصار الأمر بعد ذلك تقليدا، فأسس بومبي، ضاحية نيكوبولس شرق الإسكندرية في موقع انتصاره عام 66 ق.
م.
أصل الاسم جاء من «نيكي» إلهة النصر عند الإغريق، والتي تظهر ممسكة بأكاليل النصر، وهي إلهة صغيرة يحملها زيوس أو الإسكندر.
ستجد ذلك في تمثاله في الإسكندرية.
كيف كان استنتاج الكاتبة مما قرأته عنها صحيحا، فهي منطقة سيدي جابر ومصطفى كامل الشهيرة في المعسكر الروماني، والتي فيها مقابر قديمة.
نأتي إلى المنارة، أو الفنار الذي كان من عجائب الدنيا السبع.
كيف كانت شعلته تستقبل السفن القادمة، وكانت فيه مرايا تعكس الشمس نارا على السفن الغازية.
كيف بدأ بناؤه في حكم بطليموس الأول وتم في عهد بطليموس الثاني عام 280 ق.
م.
كيف نقش المعماري اليوناني سوستراتوس الذي صمم الفنار، اسمه عليه وفوقه طبقة من الجص، فوقها نقش اسم بطليموس.
ما قيل في ذلك من أنه مع الزمن، سيسقط الجص باسم بطليموس، ويبقى اسم سوستراتوس.
مع الحقائق تمشي دائما الحكايات، وأقوال من عاصروها أو رأوها من كل الدنيا.
كيف تعرض الفنار إلى الهدم بسبب كوارث مثل الزلازل.
نعود إلى الحديث بتوسع عن مكتبة الإسكندرية، التي قرر بطليموس بن لاجوس أو «سوتير» إنشاءها، لتكون كعبة المثقفين والعلماء.
كيف كانت أول مكتبة حكومية عرفها التاريخ، لكن لم يمهل القدر بطليموس سوتير افتتاحها.
أسماء رائعة من شعرائها وعلمائها، وما احتوته من مخطوطات وأعمال من العالم، وبلغ في بعض الروايات خمسمئة ألف عمل، وكيف كانت المكتبة جزءا من الموسيون، متحف الفنون والآداب، المشتق اسمه من الموسيات إلهات الفنون اليونانية، وتفوقت الإسكندرية على أثينا.
كيف احترقت المكتبة مع الغزو الروماني، الذي قاده يوليوس قيصر عام 48 ق.
م، والكتابات المختلفة في ذلك.
ننتقل إلى الحي الملكي، الذي كان اثناء حقبة البطالمة، مقرا للحكم.
حديث مفصل عنه، بقصوره الملكية والبساتين، لكن ناله الفناء أيضا تحت الماء بسبب الزلازل.
حديث عن جثمان الإسكندر الأكبر بعد أن مات في بابل عام 323 ق.
م.
كيف نقل جثمانه إلى مصر والخلاف حول مكان مدفنه.
كيف وُضع في البداية في تابوت ذهبي، ثم تم استبداله بتابوت زجاجي، ودفن في منطقة القصور الملكية في مجمع عُرف بالسوما أو السيما، ومعناها حرفيا الجسد أو الجثمان، وكيف كان محل زيارة من أتوا بعده من القادة، وحكايتهم عنه، التي جعلت منه إلها بين آلهة الأوليمب.
تتساءل الكاتبة هل كان قبر الإسكندر مقدمة لقصة الأولياء الطويلة في الإسكندرية، وهل كان الوليّ الأول في مدينة تتغنى بأنها مدينة الرب! وتستمر الرحلة.
تتحدث عن مآدب الطعام والخيم التي كانت تقام لذلك، ويحضرها الفلاسفة.
السيمبوزيوم الذي كان تقليدا لأثرياء اليونان يجتمعون في مآدب باذخة، يستمعون للنقاشات الفلسفية والفكرية مع الخمر والطعام والنساء.
التقارب واندماج النخب المصرية في بلاط البطالمة، خاصة في عهد بطليموس الخامس بين عامي 180-204 ميلادية.
كيف حمل المصريون لقبا شرفيا هو « قريب الملك» وصار اللقب أيضا أخ الملك وأخ الفرعون، وحافظ المصريون الذين حملوا اللقب على هويتهم.
كيف صار الشعراء والفنانون شخصيات مشهورة يُحتفى بهم كنجوم، وكيف أسرع أثرياء الإسكندرية إلى الرسامين لتزيين بيوتهم بلوحات جدارية.
صار المثقفون ضيوفا دائمين على الملك، وبعضهم تملق الملك في أشعاره، مثل كليماخوس وأراتوس، فصار المدح ضمانة حقيقية للمكانة الأدبية.
كيف ازدهر السكن حتى بلغ عدد السكان ثلاثمئة ألف حر في العصر الروماني.
فخامة البيوت والفيلات وأشكالها، وكيف عثر على بقايا لها.
تقدم مثلا بفيلا سميت بفيلا الطيور، أنشئت في القرن الثاني بعد الميلاد في عصر الامبراطور هادريان 117-138 واستمرت لقرون.
كيف اكتسبت اسمها من الأرض الفسيفسائية الرائعة التي تزينها، والتي تصور في معظمها مناظر طيور حية من مختلف الأشكال، شبيهة بمنازل مدينة بومبي في إيطاليا.
تنتقل إلى الطعام، وكيف كان مرآة ومقياسا اجتماعيا.
كيف ارتبطت قائمة الطعام بالأبراج، فالثوم مع برج الحمل، والمكسرات والمشمش مع برج الجوزاء، والتين والعنب مع برج الأسد.
وهكذا فشهور الأبراج هي شهور المحاصيل.
تأتي الحُليّ والملابس وأناقة أهل المدينة.
ملابس السكندريات وكيف كانت كملابس اليونانيات والرومانيات، وكذلك تسريحات الشعر، واختلف الأمر في المعابد فكان لها زيها المتصل بالورع.
حديث سريع عن تأثير الرومان على ملابس النساء، وترى أنه ربما كان لذلك أثر على الملاءة اللف السكندرية.
يأتي المسرح وكيف أدرك الحكام الهلنستيون قيمة الدراما، باعتبارها إلى جوار الجمال قوة سياسية أيضا.
رحلة مع كتّاب المسرح وأهم أعمالهم، وكذلك الإبداع الأدبي في المراثي والأبيجرامات والملاحم.
نصل إلى العصر الإسلامي وكيف صارت مدينة الأولياء، ثم العصر الحديث وما فعله محمد علي وأبناؤه بالمدينة من جمال، وحضور الجاليات الأجنبية من جديد لتعود مدينة العالم.
لكنها طبعا لا تصل إلى سنوات ما بعد يوليو/تموز 52 وما جرى ويجري على المدينة من دمار، ويتعلق سؤال إسكندرية فين في الفضاء، يعرف إجابته من هم مثلي ممن عاصروا الانهيار، الذي انتهى بها إلى مدينة عشوائية، حتى البحر تم حجبه عن الأنظار.
المهم أنها بعد رحلتها عشقت الإسكندرية، وربما تكتب كتابا آخر.
من الملاحظات الطريفة، أن تناجرا تركتها قبل أن ينتهي الكتاب بصفحات قليلة، كأنها لا تريد أن ترى الحاضر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك