حين يُذكر اسم الاستخبارات الروسية، يتبادر إلى الأذهان فورًا جهاز" KGB" الشهير، الذي ارتبط خلال الحرب الباردة بعمليات التجسس والاختراقات الكبرى وعمليات الاغتيال السرية، فضلًا عن نجاحه في اختراق مؤسسات غربية ونقل أسرار تكنولوجية وعسكرية إلى موسكو.
لكن هذا الجهاز انتهى رسميًا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بينما برزت أجهزة أخرى واصلت العمل بأدوات وأساليب أكثر تطورًا.
كيف تُجنّد روسيا نخبة الهاكرز؟ومؤخرًا، برز اسم جهاز GRU، أو وكالة الاستخبارات العسكرية الروسية، إلى الواجهة بقوة.
الجهاز الذي تأسس عام 1918 على يد قادة الثورة البلشفية لعب أدوارًا محورية في مختلف الحروب الروسية، لكنه أصبح اليوم مرتبطًا أيضًا بالحرب الإلكترونية والاختراقات الرقمية واسعة النطاق.
وخلال الأعوام الماضية، وُجهت اتهامات لعناصر مرتبطة بالاستخبارات العسكرية الروسية بتنفيذ عمليات اختراق استهدفت برلمانات ومؤسسات غربية، وإطلاق حملات تضليل إلكتروني، والتأثير في الرأي العام عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بل وحتى التدخل في الانتخابات الأميركية، وفق تقارير استخباراتية غربية.
لكن سؤالًا ظل يثير فضول الصحفيين وأجهزة الاستخبارات الغربية على حد سواء: من أين تأتي روسيا بهؤلاء الهاكرز المحترفين؟ وكيف يتم إعدادهم وتجنيدهم؟البداية من جامعة روسية عريقةتكشف خيوط القصة عن وجهة غير متوقعة: جامعة باومان التقنية في موسكو، إحدى أعرق الجامعات الروسية وأكثرها ارتباطًا بالصناعات الدفاعية والعسكرية.
على مدار أكثر من 180 عامًا، اشتهرت الجامعة بتخريج علماء ومهندسين بارزين ساهموا في تطوير الصناعات الدفاعية الروسية وبرامج الصواريخ والطيران.
وفي الآونة الأخيرة، زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الجامعة، متحدثًا مع الطلاب عن خطط موسكو المستقبلية لاستكشاف القمر والمريخ.
لكن خلف الصورة الأكاديمية التقليدية، تشير تقارير صحفية إلى وجود قسم تحيط به درجة عالية من السرية داخل الجامعة، يُعرف باسم" القسم 4" أو" قسم التدريب الخاص".
ماذا يحدث داخل" القسم 4"؟بحسب تحقيق أجرته صحيفة" الغارديان" البريطانية، استنادًا إلى أكثر من ألفي وثيقة مسربة من داخل الجامعة، وبالتعاون مع مؤسسات إعلامية دولية بينها" لوموند" و" دير شبيغل" و" ذا إنسايدر"، فإن هذا القسم يخضع لإشراف مباشر من ضباط استخبارات روس.
ويهدف البرنامج، وفق التحقيق، إلى اختيار وتأهيل نخبة من الطلاب المتفوقين لإعدادهم لاحقًا للعمل ضمن الوحدات الاستخباراتية والحرب الإلكترونية.
ولا يُفتح الباب أمام الجميع.
إذ يُختار الطلاب المتفوقون بعناية شديدة من قبل ضباط ومسؤولين مختصين، قبل إخضاعهم لبرامج تدريبية وتعليمية مكثفة تمتد لسنوات.
ويتضمن التدريب اختبارات تحاكي سيناريوهات عمليات حقيقية يُتوقع أن يواجهها المتدربون مستقبلًا، بما يشمل مهام مرتبطة بالتجسس الرقمي والاختراق الإلكتروني.
لا تقتصر المناهج على الجانب التقني فقط، بل تجمع بين التأهيل الإلكتروني والأيديولوجي.
وبحسب التحقيق، تشمل المواد التعليمية:تقنيات متقدمة في الهجمات الإلكترونية.
أساليب اختراق الأنظمة واستغلال الثغرات البرمجية.
استخدام أدوات التجسس الرقمي المتطورة.
تقنيات الحرب المعلوماتية والتأثير الإعلامي.
إدارة حملات التضليل السياسي عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
كما يخضع الطلاب لتأهيل فكري وسياسي يتبنى، بحسب التقرير، الرواية الرسمية للكرملين في القضايا الجيوسياسية، قبل انتقالهم إلى العمل ضمن المؤسسات الأمنية والاستخباراتية.
ويشير التحقيق إلى أن أحد المشرفين على البرنامج هو الجنرال فيكتور نيتيشكو، الذي ارتبط اسمه بمجموعة القرصنة الشهيرة" فانسي بير" (Fancy Bear)، وهي مجموعة اتهمتها الولايات المتحدة بالتدخل في الانتخابات الرئاسية الأميركية عام 2016.
ولا يقتصر الأمر، وفق التقرير، على جامعة واحدة، إذ تشير المعلومات إلى وجود برامج مشابهة في جامعات روسية أخرى، ضمن إستراتيجية أوسع تعتمدها موسكو في الحرب الهجينة، التي تمزج بين القوة العسكرية التقليدية، والعمليات السيبرانية، والحرب المعلوماتية.
أثار التحقيق تفاعلًا واسعًا على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وصف بعض المتابعين فكرة تدريس الحرب الإلكترونية داخل الجامعات بأنها" مرعبة"، معتبرين أنها تكشف جانبًا جديدًا من الصراع الرقمي بين الدول.
في المقابل، رأى آخرون أن الأمر لا يختلف كثيرًا عن برامج تدريب متخصصة في دول كبرى أخرى، مشيرين إلى أن القوى العالمية تستثمر منذ سنوات في تطوير قدراتها السيبرانية والاستخباراتية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك