في مدينة بورت أو برانس؛ عاصمة هايتي، تتّجه سيّدة إلى العيادة المحلّية حاملةً طفلتها المريضة، لكنّها تُفاجأ بإغلاق المنفذ الطبّي الوحيد الذي كان يقدّم الخدمات في منطقتها.
فبعد الزلازل، والأعاصير، وزيادة نفوذ العصابات المسلّحة، تناقصت الخدمة الطبّية في الدولة الكاريبية المنكوبة.
أمّا في الكونغو، في وسط أفريقيا، فإنّ برامج الرعاية الصحّية توشك أنّ تنهار، ويواجه الملايين خطر الموت.
وفي نيبال، في جنوبي آسيا، يواجه ملايين الأشخاص انعدام مياه الشرب النظيفة بعد توقّف مشاريع توصيل المياه.
ما يجمع بين هذه الأحداث كلّها هو توقّف التمويل الأميركي لمنظّمات دولية.
استطاعت الإمبراطورية الأميركية خلال القرن الماضي تثبيت نفسها وجوداً ضرورياً لحفظ مستوى معيّن من التوازن.
ورغم تدخّلاتها العنيفة (الفاشلة) في بقاع مختلفة من الكوكب، ظلّت الولايات المتحدة تؤدّي دور المموّل الرئيس للنظام الدولي عبر مؤسّسات مثل منظّمة الصحّة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) وبرنامج الأغذية العالمي.
لم يكن هذا الدور إنسانياً خالصاً في أيّ وقت، وهو شيء مفهوم، لكنّه جزء من هندسة نفوذ عالمي تستفيد منه واشنطن في المحصّلة النهائية زعيمةً للمجتمع الدولي، إضافة إلى دورها المفضّل: شرطي العالم.
لكن مهما كانت الدوافع، فإنّ النتيجة المباشرة هي أنّ ملايين البشر حول العالم استفادوا من هذا النظام.
جاء دونالد ترامب إلى السلطة معبّراً عن تيّار متنامٍ يشعر بالاستحقاق، وأنّ مكانة الولايات المتحدة لا ترتبط بما تقدّمه، وأنّ العالم يستغلّها.
فسعى إلى إعادة تعريف موقع بلاده في النظام الدولي، في محاولة للجمع بين العزلة الأميركية السابقة لتورّطها في الحروب العالمية والشأن الدولي، ومكانتها التي سعت إليها بالذهب والسيف.
يرى أنصار التيّار الترامبي أنّ" عظمة" أميركا هي استحقاق عليها أن تدافع عنه بالسيف، وتكفّ اليد عن ذهبها.
فبدأ بتقويض ما نسجته عقود من السياسات الدولية، مخرّباً منظومةً كانت هي ما يحفظ لأميركا مكانتها، فخفّض تمويل الولايات المتحدة ومشاركتها في برامج تنموية وإغاثية حول العالم، ما أثّر مباشرة في المستفيدين، وهم الطبقات الأضعف دائماً.
لا ترى الترامبية ضرورةً في تمويل منظّمة الصحّة العالمية، ولا في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو)، ولا في مشاريع المياه النظيفة والبيئة، وأوقفت تمويل صندوق الأمم المتحدة للسكّان، وفكّكت الوكالة الأميركية للتنمية، وهيئة الأمم المتحدة للمرأة، ومشاريع حماية المناخ.
لكنّها أنفقت في حروب إقليمية، مثل دعم إسرائيل في العدوان على غزّة بعد" 7 أكتوبر" (2023)، والحرب على إيران، مبالغ كافيةً للقضاء على الملاريا في القارة الأفريقية، أو لتمويل التزامات منظّمة الصحّة العالمية ومجلس حقوق الإنسان عقوداً طويلة، أو لتوفير التطعيمات لملايين الأطفال.
ليس القصد هنا إجراء محاكمة أخلاقية، أو إلزام دولة بصرف أموالها على العالم، لكنّها المفارقة اللافتة في رغبة الترامبية في الحصول على الاستحقاقات والفوائد كافّة من دون مبرّر أو مقابل، ما يؤدّي إلى فقد ملايين البشر حول العالم أرواحهم.
وتتوقّع إدارة ترامب أن يتقبّل العالم ذلك خوفاً من سيف واشنطن وبطشها.
ما تفعله الإدارة الأميركية هو إعادة تعريف ضرورة وجود الولايات المتحدة والنظام العالمي الحالي.
فلوقت طويل، كانت أميركا تفرض نفسها طرفاً لا يمكن الاستغناء عنه، حتى خصومها كانوا يتحرّكون تحت ظلّها.
لكنّها اليوم تعمل بحماسة لإضعاف النظام الذي منحها المكانة.
ومع فراغ التمويل الأميركي، تدخل قوى أخرى، إذ لا بدّ من البحث عن بدائل، فتجد الصين، مثلاً، الطريق مفتوحةً أمامها لتوسيع مشاركتها في مشاريع البنية التحتية حول العالم.
وهي مشاريع بدأت في تسعينيّات القرن الماضي، أوصلت الدعم الصيني إلى أطراف من العالم لم تكن تعرف إلا الإغاثة الأميركية ومعونة رونالد ريغان.
لكن المشكلة الرئيسة للمستفيدين هي أنّ هذا الاستبدال ليس سلساً، ويؤسّس لنظام أكثر هشاشةً وأقلّ تنسيقاً.
وفي خضمّ هذا الاستبدال العنيف، يخسر الملايين حياتهم حول العالم.
ويظهر الأثر المباشر للسياسة الأميركية الحالية في أفريقيا وآسيا وأميركا الجنوبية، حيث يستفيد كثيرون من البرامج الدولية التي توقّفت، ليدفع الضعفاء حياتهم ثمناً لذلك.
المفارقة الكبرى أنّ انسحاب الولايات المتحدة من تمويل المؤسّسات الدولية لا يقلّل من تورّطها في العالم، لكنّه يغيّر شكل هذا التورّط.
فينسحب الوجود عبر مشاريع التنمية والمراكز الصحّية واللقاحات، ليستمرّ (ويزداد) حضورها بحاملات الطائرات والقواعد العسكرية والحروب الفوضوية.
وهو الوجود الذي ترى الإدارة الأميركية الحالية أنّه يحمي استحقاقها من دون أيّ التزام.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك