جلست «دينا.
ع» في ركن هادئ داخل محكمة الأسرة، تحاول أن تخفي ارتجاف يديها وهي تضم طفلتها الصغيرة إلى حضنها، بينما يقف طفلها الآخر بجوارها متشبثًا بعباءتها وكأنه يخشى أن يبتلعه المكان وبدت مرهقة بصورة واضحة، شاحبة الوجه، وعيناها تحملان آثار ليالٍ طويلة من البكاء والخوف والسهر، فما قصتها التي دفعتها لطلب الطلاق؟كانت تنظر كل لحظة إلى باب القاعة التي ستشهد أولى جلسات دعوى الطلاق للشقاق التي أقامتها ضد زوجها، بعدما وصلت حياتها معه إلى طريق مسدود، بسبب ما وصفته بالجحيم الذي عاشت فيه على يد زوجها وشقيقاته الـ3، قالت لـ«الوطن»، بصوت مخنوق بالدموع «مكنتش متخيلة إن الحب اللي بدأت بيه حياتي ينتهي بيا في المحكمة وأنا خايفة على نفسي وعلى عيالي منهم».
بدأت الحكاية منذ سنوات طويلة، حين كان زوجها يسكن في الشارع نفسه الذي تعيش فيه أسرتها، وكان الجيران يعرفون بعضهم جيدًا، وكانت عائلته معروفة بالمشكلات الدائمة والصوت المرتفع والخلافات التي لا تنتهي، لذلك لم يخف أهل دينا قلقهم عندما لاحظوا تعلقه بها، وفي البداية حاولت تجاهل اهتمامه، لكنه كان يلاحقها بنظراته وحديثه اللطيف كلما سنحت الفرصة، ومع الوقت بدأ يتقرب من أسرتها، يظهر أمام الجميع كرجل محترم وطموح يريد بناء بيت مستقر.
ورغم تحذيرات والدتها المتكررة لها من طباعه وطباع شقيقاته الـ3، فإن دينا كانت ترى جانبًا مختلفًا منه، كانت تظن أن الناس تبالغ في الحكم عليه بسبب مشكلات عائلته، خاصة أنه كان يجيد الحديث عن الحب والاحتواء والمستقبل الهادئ الذي يحلم به معها، وتقول دينا: «أهلي قالولي 1000 مرة بلاش الجوازة دي قالولي أخواته بيتحكموا فيه وهيتعبوني، بس أنا كنت شايفة إني أقدر أغيره».
تمت الخطبة بعد شهور من الإلحاح والوعود الكثيرة، لكن الخلافات بدأت مبكرًا بين العائلتين وكانت شقيقاته يتدخلن في كل التفاصيل، من شكل الشبكة إلى قائمة المنقولات وحتى تفاصيل الفرح، ومع كل مشكلة كانت دينا تتنازل حتى لا تخسر الرجل الذي أحبته وتنازلت عن أشياء كثيرة، وأقنعت أهلها بالصبر، وكانت تردد دائمًا أن الزواج سيغيِّر كل شيء، وأن الاستقرار سيجعله أكثر نضجًا واستقلالًا عن شقيقاته.
وبالفعل في الشهور الأولى بعد الزواج بدا كل شيء هادئًا نسبيًا، وكانت تحاول صنع بيت دافئ، تستيقظ مبكرًا لتحضير الطعام، وتهتم بزوجها بشكل كبير، بينما كان هو يعاملها بلطف أمام الناس لكن خلف الأبواب المغلقة بدأت الصورة تتغير تدريجيًا وأصبح يعود إلى المنزل متأخرًا بشكل يومي، يقضي أغلب وقته مع أصدقائه، بينما تتحمل هي مسؤولية البيت وحدها، وعندما كانت تعاتبه، كان يتحول فجأة إلى شخص آخر، حاد الطباع وعنيف بشكل صادم، على حد حديثها.
ومع الوقت بدأ يهمل مصروفات المنزل تمامًا، وأصبحت دينا تعتمد على مساعدة أهلها في كثير من احتياجاتها الأساسية دون أن تخبره حتى لا تجرح كبرياءه ثم بدأت تلاحظ أشياء غريبة في تصرفاته عصبية زائدة وغياب متكرر وحالات انهيار وغضب بلا سبب واضح، إلى أن اكتشفت لاحقًا أنه يتعاطى المواد المخدرة مع بعض أصدقائه.
تقول دينا وهي تبكي: «حياتي من يومها اتقلبت بقى يدخل البيت مش طبيعي، يزعق ويكسر ويضرب لأي سبب»، لكن ما جعل الأمور أكثر قسوة، بحسب روايتها، هو الدور الذي لعبته شقيقاته الـ3، اللاتي وصفت الكبرى منهن بأنها العقل المدبر لكل ما يحدث، وكانت شقيقاته يتدخلن في كل صغيرة وكبيرة داخل حياتهما ويحرضنه عليها باستمرار، يفتعلن المشكلات، وينقلن الكلام بطريقة تزيد الخلافات بينهما، ومع كل مشكلة كان يعود إلى المنزل أكثر عنفًا»، حسب رؤايتها.
في إحدى المرات تعدى عليها بالضرب بسبب شكوى نقلتها شقيقته الكبرى له، حتى كسر ذراعها، وعندما صرخت طلبًا للمساعدة، دخلت شقيقاته إلى الشقة وبدلًا من إنقاذها انهلن عليها بالسب والضرب أمام أطفالها الصغار، وتقول دينا «كنت حاسة إني عايشة وسط عصابة مش عيلة»، ورغم كل ما حدث كانت تتحمل من أجل أطفالها، كانت تخشى الانفصال، وتحاول الحفاظ على بيتها بأي طريقة لكن الخيانة دخلت حياتها هي الأخرى.
اكتشفت رسائل وصورًا لنساء أخريات على هاتفه، وعندما واجهته لم ينكر، بل اعتدى عليها بعنف شديد واتهمها بأنها السبب في كل ما يفعله، ومن يومها تحولت حياتها إلى دائرة لا تنتهي من الإهانة والضرب والخوف، ومرة شج رأسها بزجاجة، ومرة أخرى خنقها حتى فقدت الوعي، وفي كل مرة كانت شقيقاته يتدخلن ليس لإنقاذها، بل لتحريضه عليها أكثر.
وقالت أمام المحكمة: «كل ما كان يضربني كنت ألاقي أخواته بيقولوله أدبها عشان تعرف قيمتك»، ومع مرور السنوات أصبحت المشكلات يومية الأطفال صاروا يشاهدون والدتهم تتعرض للإهانة والضرب بشكل مستمر، حتى إن ابنها الأكبر بدأ يعاني من نوبات خوف وبكاء كلما ارتفع صوت والده وعندما طلبت الطلاق للمرة الأولى، ازداد عنفه بشكل مرعب على بيته… لكنه بقى يضربني أكتر»، مضيفة أنه وفي إحدى الليالي، وبعد مشاجرة عنيفة بسبب رفضها إعطاءه أموالًا طلبها منها، تعدى عليها بالضرب أمام أطفالهما، ثم دخلت شقيقاته الـ3 إلى الشقة، وشاركن في الاعتداء عليها بالضرب والسب، بينما كان طفلاها يصرخان في حالة انهيار وتلك الليلة كانت النهاية بالنسبة لها.
ففي صباح اليوم التالي جمعت بعض ملابس أطفالها وغادرت منزل الزوجية إلى بيت أهلها، وهناك انهارت تمامًا بعدما رأت نفسها في المرآة وآثار الضرب تغطي وجهها وجسدها، وورغم ذلك حاولت الحلول الودية أكثر من مرة تدخل كبار العائلة، وعقدت جلسات صلح عديدة، لكنه كان يعود في كل مرة إلى عاداته نفسها، غير قادر على مواجهة شقيقاته أو الدفاع عن زوجته، بحسب قولها.
«جربت كل الحلول واستحملت الضرب والخيانة والإهانة عشان عيالي، لكنه عمره ما وقف مرة يدافع عني منهم»، ومع استمرار التهديدات والخوف، قررت أخيرًا اللجوء إلى محكمة الأسرة بزنانيري ورفع دعوى طلاق للشقاق جملة رقم 764، مؤكدة أنها لم تعد تشعر بالأمان مع رجل ترك زوجته وأطفاله فريسة للعنف والإهانة داخل بيت يفترض أنه بيتها، واختتمت حديثها أمام المحكمة بدموع حائرة قائلة «أنا مش طالبة غير إني أعيش أنا وعيالي في أمان بعيد عن الضرب والإذلال اللي شوفناه سنين».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك