إن أحد أخطر وجوه أزمة الخطاب الإسلامي المعاصر، هو مأزق المفاهيم الكبرى، تلك المفاهيم التي شكلت يوما البنية المركزية للوعي الإسلامي، لكنها اليوم تستعمل كثيرا خارج سياقاتها التاريخية والسياسية والاجتماعية، وكأن العالم لم يتغير، وكأن الدولة الحديثة لم تولد، وكأن طبيعة الاجتماع الإنساني ما زالت هي ذاتها التي كانت قبل قرون، ولذا فإن بقاء نفس المفاهيم بعد تغير العالم الذي ولدت فيه، هو أحد أهم الأمور التي تسببت في أزمة الخطاب الإسلامي اليوم، حيث فقد قدرته على تفسير الواقع أو توجيهه، فتحول من أداة لبناء المجتمع إلى مصدر ارتباك.
اضافة اعلانإن المشكلة ليست في المفاهيم ذاتها، فمفاهيم مثل الأمّة، والولاء والبراء، والجهاد، ودار الحرب، والبيعة وغيرها، مفاهيم تأسيسية في الوعي الإسلامي، ولا يمكن التعامل معها بوصفها عبئا ينبغي التخلص منه، لكن الخلل يبدأ حين تتحول هذه المفاهيم من أدوات لفهم الواقع، إلى أدوات لمصادمته، ومن معان مرنة قابلة للاجتهاد، إلى قوالب جامدة، تفرض على عالم تغيرت بنيته بالكامل.
لقد ولدت أغلب المفاهيم في سياقات تراكمية تاريخية، كانت فيها الأمّة إطارا سياسيا واجتماعيا جامعا، وكانت الحدود بين الديني والسياسي والثقافي أقل تعقيدا مما هي عليه اليوم، أما الدولة الحديثة، فقد أعادت تشكيل المجال العام كله، إذ نشأت على مفاهيم السيادة الوطنية، والمواطنة، والمؤسسات، والقانون العام، والتعددية، والعلاقات الدولية المركبة، ولم يعد الإنسان يعيش فقط داخل جماعة مغلقة، بل داخل دولة ذات تركيبة اجتماعية وقانونية وثقافية متشابكة، تحكمها شبكة واسعة من المصالح والالتزامات والمواثيق.
غير أن جزءا معتبرا من الخطاب الفقهي المعاصر، ما يزال يتعامل مع كثير من المفاهيم والشعارات الكبرى بعمومها التجريدي، دون إعادة تنزيلها على هذا الواقع الجديد، فتستدعى مفاهيم نشأت في بنية تاريخية مغايرة، ثم تلقى مباشرة على الدولة الحديثة، دون تفكيك أو إعادة تركيب، فتظهر حالة من التوتر بين الخطاب والواقع، توتر لا يحله الإنكار ولا تعالجه الشعارات، فعندما يرفع شعار الإسلام هو الحل مع صحة معناه الكلي من حيث كون الإسلام منهجا حياتيا متكاملا، إلا أن الإشكال ظهر حين تحولت هذه العبارة إلى شعار سياسي مختزل، يقدم وكأنه إجابة جاهزة لكل تعقيدات الدولة الحديثة، والمجتمع، والاقتصاد، والعلاقات الدولية، من غير الاجتهاد في تحويل هذا الشعار إلى حلول حقيقية للواقع، باعتبار أن الإسلام مرجعية عليا في إنتاج الحلول المناسبة لواقعه المتغير، من أجل نقل الخطاب من منطق الشعارات، والمفاهيم الكبرى المسيّسة، إلى منطق البناء الحضاري والاجتهاد الواقعي.
ولعل مفهوم الأمّة من أوضح الأمثلة على ذلك، فالأمّة في أصلها ليست مجرد مصطلح تعبوي عاطفي، بل مفهوم حضاري جامع، يقوم على وحدة المرجعية والقيم والمصير، كما نصت عليه وثيقة المدينة المنورة، غير أن بعض خطابات الإسلام السياسي المعاصر تعاملت معه بوصفه بديلا مباشرا عن الدولة الوطنية، لا إطارا قيميا يتجاوزها دون أن يلغيها، وهنا نشأت أزمة حقيقة، إذ بدا وكأن الانتماء للأمّة يتناقض مع الانتماء للوطن، وكأن الدولة الوطنية كيان طارئ، فاقد للشرعية، مع أن الواقع الحديث جعلها الإطار القانوني والسياسي الذي تدار داخله حياة الناس، وتحفظ به حقوقهم، وتقام به المصالح.
إن الفهم المقاصدي لا يرى تعارضا حتميا بين الأمّة والدولة، بل ينظر إلى الدولة الحديثة بوصفها تطورا في أدوات التنظيم السياسي، لا خروجا بالضرورة عن روح الإسلام، فالمقصد الشرعي ليس شكل الدولة في ذاته، بل حفظ النظام، وتحقيق المقاصد الكلية، والعدل، وصيانة الحقوق، ومنع الفوضى، وإذا كانت الدولة الحديثة بمؤسساتها وقوانينها، قادرة على تحقيق قدر معتبر من هذه المقاصد، فإن التعامل معها ينبغي أن يكون تعاملا اجتهاديا مرنا، لا موقفا عدائيا مسبقا، ومن هنا فإن الفهم المقاصدي يقدم لنا إمكانية حقيقية للخروج من المأزق، لأنه ينظر إلى الغاية لا إلى الشكل، وإلى وظائف الدولة، لا إلى حرفيتها التاريخية، وتحويلها إلى شعار تعبئة.
إن إعادة الاعتبار للدولة الوطنية الحديثة في الفقه الإسلامي لا يعني علمنة الدين، كما يتوهم البعض، بل تعني إدراك أن السياسة الشرعية ليست عبادة لأشكال التاريخ، وإنما قدرة على إنتاج أنظمة تحقق المقاصد في واقع متغير، فالإسلام لم يأت ليجمد على التاريخ، بل ليهدي الإنسان في حركته داخل التاريخ.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك