" الكتاب سفر، والسفر كتاب".
عبارة تبدو، في ظاهرها مكثّفةً ومألوفةً، ثمّ تكشف عند الاقتراب منها أنّها تحمل ما يكفي من الاتساع لتقوم مقام مدخل كامل إلى المعرض الدولي للنشر والكتاب في الرباط.
فالشعار لا يكتفي بتزيين الواجهة، وإنّما يضع بين يدي المدينة صورة للمعرفة وهي تمشي، وتغادر، وتستعيد نفسها داخل المسافة التي يقطعها القارئ وهو ينتقل من صفحة إلى أخرى، ومن أفقٍ إلى أفق.
إنّها صيغة تفكير كاملة.
والرباط، وقد اختارتها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو) عاصمة عالمية للكتاب 2026، تدخل هذا الموعد وهي تحمل معها معنى يتجاوز الاحتفاء السنوي؛ معنى يرتبط بالقراءة بوصفها ممارسة اجتماعية، وبالكتاب بوصفه جزءاً من العمر الثقافي للمدينة، وبالحقّ في الوصول إلى المعرفة، كما تنظر إليه" يونسكو" في مبادرتها الخاصّة بعواصم الكتاب.
لم يكن ابن بطوطة يراكم الأمكنة بقدر ما كان يعيد اكتشاف العالم عبر اللغة والتدوين والاحتكاك بالبشرومن داخل هذا المجاز، يبرز ابن بطوطة بوصفه امتداداً للشعار.
الرحّالة الذي انطلق من طنجة في القرن الرابع عشر، وعبر جغرافيات شاسعة امتدّت من المغرب إلى الهند والصين وشرقي أفريقيا، لم يكن يراكم الأمكنة بقدر ما كان يعيد اكتشاف العالم عبر اللغة والتدوين والاحتكاك بالبشر.
الرحلة عنده أخذت هيئة معرفة تتحرّك، ومعرفة تتشكّل كلّما اتّسعت المسافة واتّسع النظر.
لذلك بدا حضوره في هذه الدورة منسجماً مع السؤال الثقافي: كيف يتّصل المغرب بمعرفته، وكيف يجعل من الحركة فعلاً كتابياً ومن الكتاب فعلاً اجتماعياً؟ فالمعرض يحتفي برجل جعل من السفر كتابةً، في مدينة تحاول أن تجعل من الكتاب سفراً.
وبين المعنيين خيط ثقيل من الدلالة، يربط الحركة بالتأمل، ويجعل الرحلة مدخلاً إلى سؤال المغرب عن صورته الثقافية وعمقه القرائي.
ويزداد هذا الاستحضار كثافةً حين نلتفت إلى أرقام المعرض نفسه.
فالدورة الثلاثون استقبلت أكثر من 403 آلاف زائر، وضمّت 756 عارضاً من 51 بلداً، وقدّمت نحو مئة ألف عنوان، وفق الأرقام الرسمية المنشورة عن الحدث.
هذه الكثرة تمنح المعرض حضوره، وتكشف في الوقت نفسه أنّ الحضور وحده لا يكفي.
فالمعرض يشتغل في منطقة الضوء، أمّا القراءة فتشتغل في الزمن الطويل، في عادة تتكوّن، وفي علاقة تستقرّ داخل البيت والمدرسة وفضاءات المدينة.
المغرب يملك مادّة خاماً تكفي لكتابات كبيرة ومتعدّدة في آن؛ تاريخ متشعّب، وذاكرة أمازيغية وعربية وأندلسية متراكبة، وجغرافيا تقوم عند تخوم المتوسّط وأفريقيا والصحراء، وموقع ظلّ، عبر قرون، باب وصل بين حضارات وطرق عبور ولغات وتجارب بشرية متداخلة.
هذه الكثافة التاريخية والثقافية تمنح الكتابة المغربية مادّةً سرديةً وفكريةً شديدة الثراء، ثمّ تجعل سؤال الكتابة نفسه أكثر إلحاحاً، لماذا يبدو الأثر الكتابي أقلّ من غنى المادّة نفسها؟ فالإنتاج الأدبي المحلّي ما يزال محدوداً قياساً بما يختزنه البلد من إمكانات، والمنشور منه يتحرّك داخل طبعات قليلة وتوزيع متعثّر يترك الكتاب محصوراً، في الغالب، داخل المدن الكُبرى.
ومن هنا تميل أسماء مغربية عديدة إلى دور نشر لبنانية ومصرية وفرنسية، حيث السوق أوسع، وحركة التوزيع أكثر انفتاحاً، وحياة الكتاب أطول داخل المجال الثقافي.
ويبدو دعم قطاع النشر والكتاب أقلّ اتساعاً من الحيوية الثقافية التي يفترضها بلد بهذا العمق التاريخي.
ثمّة بلدان تكتب نفسها بكثافة تجعل صورتها في الوعي العالمي نابعةً من داخلها، وثمّة بلدان يسبقها الآخرون إلى سردها وتأويلها والتقاط ملامحها.
المغرب ينتمي، إلى حدّ ما، إلى هذه المنطقة الثانية.
بول بولز وخوان غويتيسولو وغيرهما ممّن أقاموا في طنجة أو مراكش أو مروا عبر الجنوب المغربي، وجدوا في البلد مادّةً خصبةً للحكي والتأمّل وإعادة تشكيل المعنى.
المدن المغربية، بما تختزنه من تعدّد وطبقات وذاكرة، كانت دائماً قابلةً لأن تُقرأ بوصفها نصوصاً مفتوحة.
غير أنّ السؤال الذي يطفو خلف هذا الحضور يتجاوز فكرة التأثير الخارجي نفسها، كيف يمكن لبلد يملك هذه الكثافة التاريخية واللغوية والروحية أن يظلّ أثره القرائي الداخلي أقلّ اتساعاً ممّا توحي به مادّته الخام؟لا ترتبط المسألة بقلّة النصوص وحدها، بل بالفعل القرائي الذي يحرّك دورة حياة الكتابة ذاتها.
فالقراءة، حين تتجذّر، تزرع في صاحبها شيئاً يتجاوز الاستقبال؛ تحرّك فيه رغبة التعبير، وتدفعه نحو فعل كتابي جديد، فتستمرّ الدورة وتتجدّد.
والمنظومة التي تحوّل النصّ إلى ذاكرة جماعية متداولة، وإلى طاقة إبداعية متوالدة، هي ما يحدّد في نهاية المطاف ما إذا كانت ثقافة تكتب نفسها فعلاً، أم تكتفي بإنتاج كتب تصطف على رفوفها في غياب القارئ الذي يهبها حياتها داخل المجتمع.
لا يعاني الكتاب في المغرب من ضعف المناسبة فحسب، وإنّما أيضاً من ضعف الزمن الذي يسمح له بأن يصير عادةً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك