لعلّ الصدمة النفسية التي أعقبت مجزرة 7 أكتوبر، والمتجذّرة بعمق في الوعي الجمعي في إسرائيل، إلى جانب زجّ عاطفة سياسية في كلّ نقاش، وتراجع الخطاب العام والسياسي في البلاد، هي ما جعل المواقف المتطرفة التي تميّز أحزاباً قطاعية ذات رؤية أيديولوجية فريدة أو جماعات مهمّشة، “وضعاً طبيعياً” يقبله غالبية الجمهور بتفهمٍ ضمني.
في هذا السياق، برزت تصريحات سموتريتش الأسبوع الماضي، التي اعتبر فيها دمج القائمة الموحدة (“عدو” في رأيه) في الائتلاف خطوةً أخطر من مجزرة 7 أكتوبر (“فشل تكتيكي”).
هذا التصريح يعكس عقليةً سائدةً في الحركة التي يمثلها سموتريتش: الشك، بل والعداء، تجاه غير اليهود (وخاصةً العرب)، ورفض مطلب المساواة، حتى عندما يتعلق الأمر بالعرب في إسرائيل، الذين وصفهم بأنهم “مواطنون مؤقتون”.
أثارت تصريحات سموتريتش ضجةً تركزت على “التقليل من شأن” مجزرة 7 أكتوبر، لكن لم يكن هناك اهتمام يُذكر بما يُفهم ضمنيًا على أنه رفضٌ شاملٌ لدمج العرب في عملية صنع القرار في البلاد.
لقد كانت اللامبالاة واضحًة في معسكر الوسط، الذي شارك أعضاؤه في حكومة التغيير التي ضمت القائمة “الموحدة”، ويبدو أن بعضهم يعتقد أن بيانًا واضحًا بشأن الشراكة مع العرب عشية الانتخابات سينظر إليه الرأي العام اليهودي سلباً بعد 7 أكتوبر.
بمعنى آخر، يفضلون مجاراة التيار السائد بدلاً من أن يكونوا رواداً في طرح آراء جديدة.
تتجاهل ذاكرة الإسرائيليين الضيقة مساعي نتنياهو الحثيثة للتقرب من منصور عباس، وهي خطوة أحبطها سموتريتش، لتحل محلها (وربما للتغطية على “خطايا الماضي”) سردية “رسمية” حادة تجاه القائمة “الموحدة”، تم تطويرها كجزء من “مؤامرة الإخوان المسلمين”، حيث صُوِّر عباس على أنه شخص لجأ إلى “التقية” (وهي ممارسة شائعة بين الشيعة).
كما تشمل محاولة النسيان تجاهل الصمت الذي ساد المجتمع العربي بعد أحداث 7 أكتوبر، والذي تسبب في إحباط شديد ليحيى السنوار، الذي كان يخطط لإشعال فتيل الأزمة الداخلية في إسرائيل، فضلاً عن توضيحات عباس المتكررة في السنوات الأخيرة بأنه يعترف بإسرائيل دولة يهودية، ويرفض “الحياد” الذي تتبناه الأحزاب العربية الأخرى، وهي مواقف يعبّر عنها بالعبرية والعربية، ويتعرض بسببها لهجوم شديد من قبل الرأي العام العربي والفلسطينيين.
تتجاهل ذاكرة الإسرائيليين الضيقة مساعي نتنياهو الحثيثة للتقرب من منصور عباس، وهي خطوة أحبطها سموتريتش، لتحل محلها (وربما للتغطية على “خطايا الماضي”) سردية “رسمية” حادة تجاه القائمة “الموحدة”ينبغي أن يكون الموقف من مشاركة العرب في أي ائتلاف مستقبلي بمثابة اختبار للمجتمع الإسرائيلي بأسره، وله تأثير جوهري على شكل الدولة في المستقبل.
يُطلب من الجمهور القيام بما لم يحدث عشية 7 أكتوبر: تحدي “القرارات” التي تُفرض من أعلى، ظاهريًا تحت ستار “دروس 7 أكتوبر”، التي ليست سوى حملة لنزع الشرعية نابعة من مزيج ضار من دوافع سياسية انتهازية وضرورة دينية لفئة واحدة لا تمثل جميع أفراد المجتمع اليهودي.
في الوقت نفسه، يجب على الجمهور أن يطالب جميع الأحزاب بتقديم ما أصبح “ترفًا” في إسرائيل – برنامج أيديولوجي واضح، بدلًا من الغموض والحذر الشديدين اللذين يُتخذان، لا سيما فيما يتعلق بالعلاقة مع الجمهور العربي.
ينبغي للجمهور أن يوضح بأن السبيل لكسب صوتنه لا يكون عبر الالتفاف الأيديولوجي، بل من خلال إظهار مواقف واضحة وشجاعة وقدرة على تقديم رسالة تغيير عميقة مقارنة بالوضع الراهن.
كل هذا على أمل أن تكون “الحيلة” المبتذلة المتمثلة في تقديم موقف مبدئي قبل الانتخابات ثم تغييره بعدها قد أثبتت أنها مدمرة للحوار الداخلي في البلاد.
وخلافًا للنسيان، من الضروري التذكير بأن جميع “الدروس المستفادة”، وعلى رأسها ضرورة تبني نهج حذر تجاه العرب، ليست نتاج بحث مهني دقيق وتحليل استراتيجي معمق، بل هي في الواقع محاولة منطقية يروج لها أولئك الذين شاركوا في صياغة “مفهوم 7 أكتوبر”، ولم يتحملوا مسؤوليته قط، ويحاولون الآن تقديم أنفسهم كرواد “تصحيح رصين”، يتمحور حول المفهوم الذي أصبح استراتيجية إسرائيل الفعلية، والذي بموجبه يُعد استخدام القوة هو السبيل الوحيد لإدارة شؤون المنطقة.
ويتجسد التعبير العملي لهذا المفهوم اليوم في الإجراءات الصارمة وتصاعد عنف جامح في الضفة الغربية، ويتسرب إلى مناطق أحرة (مثل تخريب الرموز الدينية المسيحية في لبنان)، وقد يمتد إلى الحيز السكني المشترك بين اليهود والعرب داخل حدود الخط الأخضر.
في مجتمع يتفكك، حيث تتصاعد الجريمة والعنف (دون أي رد فعل من الحكومة)، وتضعف القيادة، ويتزايد الشعور بالاغتراب والغضب (في الوقت الذي تتنامى فيه تطلعات الاندماج، خاصة بين جيل الشباب)، يصبح الانفجار مسألة وقت.
في المقابل، تبرز فكرة الاندماج التي تروج لها حركة “الموحدة” في السنوات الأخيرة.
هذه الفكرة مليئة بالثغرات، بعيدة كل البعد عن الكمال، ولن تمحو الاتهامات القديمة على الفور، لكنها أهون الشرين مقارنة بحرب داخلية طاحنة.
قبل كل شيء، ينبغي للمواطنين أن يتساءلوا عن نوع الدولة التي قد تنشأ بعد استبعاد نحو خُمس السكان من المشاركة في الحياة السياسية والعامة، وهو ما سيُضاف إلى السيطرة على نحو ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية.
(دون منحهم الجنسية)، ساحةٌ “تندمج” تدريجيًا في إسرائيل حتى دون ضم رسمي.
والجواب: دولة ذات خصائص بلقانية من صراعات عنيفة بين المجتمعات التي تعيش فيها، قائمة على التمييز، سترفضها جيرانها (تحذير لمن يعتقدون أنه من الممكن تعزيز التطبيع وضم الأراضي في الوقت نفسه)، وستكون وصمة عار في نظر المجتمع الدولي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك