رغم المخاوف المتزايدة من أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على وظائف البشر، يرى خبراء أن الواقع مختلف تمامًا، إذ إن التقنية لا تستبدل الوظائف بالكامل بقدر ما تعيد تشكيلها وتغيّر طريقة تنفيذها داخل الشركات والمؤسسات.
وخلال الأشهر الماضية تصاعدت المخاوف مع توسع الشركات في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتقليص أعداد الموظفين، خاصة بعدما أصبحت هذه الأنظمة أكثر قدرة على تنفيذ مهام مكتبية معقدة.
كما أشارت بيانات حديثة إلى أن الذكاء الاصطناعي كان السبب الرئيسي وراء تقليص الوظائف خلال أبريل للشهر الثاني على التوالي.
لكن خبراء سوق العمل يؤكدون أن الصورة ليست “أبيض أو أسود”، فالشركات لا تستبدل الموظفين بالكامل، بل تستخدم الذكاء الاصطناعي لأتمتة أجزاء محددة من المهام اليومية، مع الإبقاء على الأدوار التي تتطلب التفكير البشري واتخاذ القرار والإبداع.
وأوضح أليكسيس كريفكوفيتش، الشريك البارز في شركة ماكينزي، أن تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات قادرة تقنيًا على أتمتة 57% من الأنشطة المتعلقة بالعمل، لكن هذه النسبة موزعة على أجزاء مختلفة من الوظائف وليست وظيفة كاملة بحد ذاتها.
وأشار نيتين سيث، المؤسس المشارك لشركة إنسيدو، إلى أن شركته تساعد العملاء على رفع الإنتاجية بنسبة تتراوح بين 20 و25% باستخدام الذكاء الاصطناعي، دون تقليص عدد الموظفين بنفس النسبة، لأن التقنية تتولى أجزاء معينة فقط من المهام وليس الدور الكامل للموظف.
ويبدو تأثير هذا التحول أوضح داخل قطاع التكنولوجيا، حيث أصبح المبرمجون يعتمدون بشكل متزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي لكتابة الأكواد البرمجية.
ووفق استطلاع أجرته غوغل، فإن 90% من العاملين في قطاع التقنية يستخدمون الذكاء الاصطناعي في وظائفهم، بينما أظهر استطلاع آخر أن 84% من المطورين يستخدمون هذه الأدوات أو يخططون لاستخدامها.
لكن خبراء يؤكدون أن وظيفة مهندس البرمجيات لم تعد تقتصر على كتابة الأكواد فقط، بل تشمل مراجعة الأكواد وتصميم الأنظمة وحل المشكلات واتخاذ قرارات التطوير.
ولهذا يتوقع البعض أن يتغير حتى اسم الوظيفة مستقبلًا ليصبح أقرب إلى “صانع الأنظمة” بدل “مهندس برمجيات”.
كما قالت المهندسة سوجاتا سريدهاران إن استخدام الذكاء الاصطناعي غيّر طبيعة المهارات المطلوبة، حيث أصبحت القدرة على التفكير النقدي وتحليل جودة الأكواد وحل المشكلات أهم من مجرد كتابة الأوامر البرمجية يدويًا.
ورغم ذلك، لا ينفي الخبراء أن الذكاء الاصطناعي ساهم بالفعل في فقدان وظائف، إذ تم ربطه بأكثر من 49 ألف عملية تسريح موظفين خلال العام الحالي فقط.
كما أعلنت شركات تقنية كبرى عن تقليص فرق العمل لديها بسبب اعتمادها المتزايد على أدوات الذكاء الاصطناعي لتحسين الإنتاجية وتسريع تنفيذ المهام.
وفي المقابل، يرى مختصون أن أغلب الشركات لم تعِد بعد هيكلة أنظمتها وأساليب تقييم الموظفين بما يتناسب مع طبيعة العمل الجديدة التي يفرضها الذكاء الاصطناعي، ما يجعل المرحلة الحالية مرحلة انتقالية تعيد تعريف المهارات المطلوبة والأدوار الوظيفية داخل بيئات العمل الحديثة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك