" ليبانون ديبايت" - روني ألفابين شرعية الدولة وشرعية المقاومة، لا يدور النقاش اللبناني حول تفصيل قانوني جامد، بل حول سؤال تأسيسي: ماذا تفعل الأمم عندما يُحتل جزء من أرضها فيما تكون الدولة عاجزة، أو مُقيدة، أو محاصرة سياسيًا وعسكريًا؟ وهل يصبح التمسك بحصرية القوة بيد الدولة مبدأً مطلقًا حتى عندما تكون هذه الدولة نفسها غير قادرة على ممارسة مقتضيات السيادة كاملة؟هذا النقاش عاد إلى الواجهة مع البيان الأخير الصادر عن الدائرة الإعلامية في حزب القوات اللبنانية، الذي أعاد طرح المعادلة التقليدية نفسها: لا شرعية لأي سلاح خارج الدولة، وأن اتفاق الطائف حسم هذا الجدل نهائيًا لمصلحة الدولة وحدها.
هذا الطرح، وإن استند إلى قاعدة دستورية مفهومة، يبقى ناقصًا إذا اقتطع الطائف من سياقه التاريخي والسيادي.
وثيقة الوفاق الوطني لم تولد في بلد مستقر كامل السيادة، بل في لبنان كان (وما زال) جنوبه محتلًا، وعاصمته خارجة لتوّها من حرب أهلية، ومؤسساته منهكة.
ومن هنا، فإن قراءة الطائف بوصفه نصًا تقنيًا لنزع السلاح فقط، من دون إدراج البعد الاحتلالي الذي كان قائمًا، هي قراءة انتقائية.
الطائف دعا إلى حل الميليشيات، نعم.
لكنه في الوقت نفسه أكد على تحرير الأرض اللبنانية وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها.
والسؤال الجوهري هنا: كيف تُبسط السيادة على أرض محتلة؟ بالبيانات؟ بالمناشدات؟ أم بأن للدولة، أو للمجتمع الوطني عندما تعجز الدولة، حقًا في مقاومة الاحتلال حتى زواله؟هنا يبرز الخلط المقصود بين مفهومين مختلفين: الميليشيا والمقاومة.
الميليشيا كيان مسلح يسعى إلى فرض وقائع داخلية، أو حماية مشروع فئوي، أو منازعة الدولة على سلطتها الداخلية.
أما المقاومة، في تعريفها السياسي والقانوني الكلاسيكي، فهي فعل تحرري مرتبط بوجود احتلال أجنبي.
التاريخ اللبناني نفسه يقدم شواهد يصعب تجاوزها.
ففي عام 2000، لم ينسحب الجيش الإسرائيلي من معظم الجنوب اللبناني نتيجة مسار تفاوضي مباشر أو اتفاق سلام، بل تحت ضغط استنزاف ميداني متراكم فرضته المقاومة، ما أتاح للدولة اللبنانية أن تعود، ولو تدريجيًا، إلى مناطق كانت محرومة منها سياديًا لعقود.
هنا، سواء اتفق المرء سياسيًا مع الجهة التي قادت المقاومة أم لا، تبقى النتيجة الواقعية أن فعل المقاومة أنتج استعادة لجزء من السيادة الإقليمية اللبنانية.
وفي حرب تموز 2006، وعلى الرغم من الكلفة البشرية والمادية الهائلة التي تكبدها لبنان، فإن الحرب كرّست معادلة ردع جديدة حالت، لسنوات طويلة، دون انزلاق إسرائيل إلى نمط الاجتياحات البرية الواسعة التي عرفها لبنان سابقًا.
يمكن الجدل طويلًا في تقييم تلك الحرب، لكن من منظور سيادي صرف، ثمة من يرى أن ميزان الردع الناتج عنها شكّل عنصر حماية للحدود اللبنانية من الاعتداءات المفتوحة.
حتى قبل ذلك، في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي الممتد منذ 1978 وتعزز بعد اجتياح 1982، لم تكن الدولة اللبنانية تملك القدرة الفعلية على فرض سيادتها جنوبًا.
في تلك المرحلة، كان السؤال السيادي نفسه مطروحًا: هل يُترك الاحتلال كأمر واقع لأن الدولة عاجزة، أم أن فعل المقاومة يصبح، في لحظة تاريخية معينة، أداة استعادة سيادة؟هل هذا يعني أن أي تنظيم يمكنه أن يعلن نفسه مقاومة ويحمل السلاح؟ بالطبع لا.
فهذه فوضى وليست نظرية سياسية.
لكن يعني أن الشرعية ليست قالبًا قانونيًا ميكانيكيًا منفصلًا عن الوقائع السيادية.
ثمة قاعدة معروفة في الفكر الدستوري والسياسي: الضرورة الاستثنائية لا تُنشئ الحالة الطبيعية، لكنها قد تبرر إجراءات استثنائية.
فإذا كان الاحتلال قائمًا، فإن سؤال الشرعية لا يمكن اختزاله في النصوص الداخلية وحدها، لأن أصل الأزمة يتجاوز البنية الداخلية إلى عدوان خارجي.
بيان حزب القوات الأخير، في جوهره، يتعامل مع الدولة اللبنانية كأنها كانت دائمًا صاحبة اليد العليا القادرة على فرض سيادتها كاملة.
لكن الوقائع اللبنانية لا تقول ذلك.
فمنذ عقود، كان لبنان يتعرض لاحتلالات واعتداءات وتوازنات إقليمية جعلت مفهوم السيادة نفسه هشًا ومتدرجًا.
المفارقة أن المدرسة السياسية التي ترفض شرعية المقاومة اليوم، تحمل في ذاكرتها التاريخية الخاصة مفردة" المقاومة اللبنانية" نفسها في سياقات أخرى.
ما يعني أن الاعتراض ليس على مبدأ المقاومة كمفهوم، بل على هوية من مارسها، وعلى تموضعها السياسي الإقليمي، وعلى نتائجها الداخلية.
هنا يصبح النقاش أكثر صدقًا: المسألة ليست فلسفية بحتة حول حق الشعوب في مقاومة الاحتلال، بل سياسية حول من يحتكر تعريف هذا الحق وكيف ومتى ينتهي.
النقطة الأقوى في خطاب الرافضين لسلاح المقاومة ليست إنكار حق مقاومة الاحتلال، بل التحذير من تحوّل الاستثناء إلى بنية دائمة، بحيث يصبح قرار الحرب والسلم خارج المؤسسات.
وهذه حجة جدية وليست دعائية.
لكن معالجتها لا تكون بإلغاء أصل الفكرة التحررية، بل بتنظيمها داخل عقد وطني واضح.
التحدي الحقيقي ليس بين دولة أو مقاومة، بل بين فوضى السلاح وبين استراتيجية دفاع وطنية تحدد العلاقة بين حق التحرير ومرجعية الدولة.
أما القول المطلق إن الطائف أسقط أي شرعية مقاومة، فهو تبسيط سياسي أكثر مما هو استنتاج قانوني دقيق لأن الطائف لم يُكتب لتجريد بلد محتل من حق التحرير، بل لإعادة بناء دولة قادرة على استعادة سيادتها كاملة.
الأسئلة الحقيقية إذًا ليست: هل المقاومة شرعية أم غير شرعية؟ بل: متى تكون شرعية؟ من يضبطها؟ متى تنتهي؟ وكيف لا تتحول من أداة دفاع إلى بنية موازية؟الدول القوية لا تخاف من هذه الأسئلة، بل تجيب عنها ضمن مشروع سيادي جامع.
أما تحويل النقاش إلى ثنائية تبسيطية بين" شرعية" و" لا شرعية"، فهو هروب من جوهر المعضلة اللبنانية نفسها: دولة لم تكتمل سيادتها يومًا، ومجتمع انقسم طويلًا حول الطريقة الفضلى لحمايتها.
البيان القواتي، خالف هذا التعقيد كله حين تعامل مع المسألة كأنها قضية نص دستوري مكتمل الدلالة، بينما الحقيقة أن لبنان نفسه كان، وما زال، نصًا مفتوحًا على صراع السيادة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك