نحن الجيل الذي كسر الصمت حول الصحة النفسية.
هذا إنجاز حقيقي، لكننا ربما، في حماستنا لكسر الصمت، استبدلناه بشيء آخر: الضجيج.
لاحظت هذا حين بدأت أرى منشورات من نوع مختلف تتسلل لصفحات معارفي.
منشورات من قبل: " أخيراً بدأت جلساتي مع المعالج النفسي".
" تعلمت أخيراً أن ما مررت به كان صدمة".
" أنا في رحلة تعاف عند فلان".
منشورات تحمل شجاعة حقيقية، لا شكّ أنها كذلك، لكنها تحمل أيضاً شيئاً آخر، أمرٌ يشبه الحاجة إلى الاعتراف العلني.
اضافة اعلانلم أستطع أن أحدد إن كان ما أشعر به إعجاباً أم قلقاً.
ربما الاثنان معاً.
لكن السؤال الذي يسكنني هو ما الذي تغيّر، حتى أصبح الألم العاطفي والندوب النفسية تُعلن بهذه الطريقة.
بهذه الأريحية.
أعرف الإجابة جزئياً.
فقد نشأنا في ثقافة علّمتنا أن من يشكو علناً ضعيف، وأن الصمت في مجمله فضيلة، وأنّ التجاوز دليل على المتانة النفسية والقوة العقلية.
أدرك أن كسر هذا الصمت ليس هيناً، والاعتراف بأن أرواحنا تُستنزف كما تُستنزف أجسادنا لم يكن يوماً أمراً بديهياً.
هذا إنجاز حقيقي، ويستحق الاحتفاء.
لكن، بين الاعتراف بتشوهاتنا النفسية والإعلان المبالغ فيه عن بدء رحلة العلاج فرق كبير.
حين يصبح الذهاب إلى المعالج النفسي خبراً يُعلَن، والجرح القديم مادة للسرد، يبدأ شيء ما في التحول.
ليس في الألم نفسه بل في المعنى الذي نُعلّقه عليه.
الشفاء في جوهره عملية شخصية، خاصة، حميمة، ولا تحتاج شهودا.
وحين يحتاج إلى جمهور، يصبح شيئاً آخر، لا أُحاكمه لكنّي لا أفهمه بعد.
كما أن ثمة أمرا يستحق أن نتذكره، وهو أننا لم نكن يوماً بلا علاج.
ليس تماماً، كانت هناك دائماً يد تمتد في الوقت الحرج، لتطبطب علينا، من أحبونا، ومن رافقونا، ومن جلسوا بجانبنا مستمعين دون أن نطلب.
أولئك لم يسمّوا ما يفعلونه علاجا نفسيا ولعلنا لم نعتبره نحن أيضا كذلك لكن أرواحنا كانت تعرف.
صحيح أن هؤلاء أنفسهم كانوا مصدر الجرح.
في الكثير من الحالات.
قد يكون كذلك، لكن العلاقات الإنسانية كانت دوما بهذا التعقيد، لا ينقسم الناس بهذه البساطة إلى من يشفي ومن يجرح.
لكن هذا لا ينفي أن شيئاً من الشفاء كان دائماً موجوداً في محيطنا حتى قبل أن نجد له اسماً، وقبل أن نحوّله إلى خبر أو منشور.
ومع ذلك، ثمة ما لا يُقال في هذا الحماس كله، أن العلاج النفسي لا يزال بعيد المنال عن كثيرين.
ليس لأنهم لا يريدونه، بل لأن بين الحاجة إليه وإمكانية الوصول إليه مسافة لا يقطعها الوعي وحده.
حين يتحول الوجع إلى موضة يتداولها من يقدر على تكاليف المعالج النفسي، يغيب صوت من يحتاجه ولا يجده.
والألم، كما نعرف جميعاً، لا يسأل عمّن يستطيع ومن لا يستطيع.
الشفاء يستحق الاحتفال.
والعمل على النفس- بكل أشكاله - فعل شجاع وضروري.
لكن حين يتحول الذهاب إلى المعالج النفسي إلى موضة نتبعها لنبدو واعين، ومتماهين، ومندمجين، نكون قد أفرغناه من معناه.
المعالج ليس" إكسسواراً" لهوية متطورة: هو ملاذ لمن يحتاجه فعلاً.
الألم ليس هوية.
والتعافي إنجاز من نوع خاص، لا يُقاس بمن يعرف به، بل بما تشعر به حين تكون وحدك.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك