بدأت مدينة الإسكندرية تستعيد هدوءها المعتاد في فصل الربيع، بعد أيام من الإجراءات الأمنية المشدّدة، التي خيّمت على شوارعها، إذ تنفس المواطنون الصعداء بعد توقيف العشرات من السياسيين والمشتبه في ولائهم للسلطة، خشية من تحركاتهم المفاجئة، أثناء جولة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرونعلى كورنيش المدينة يوم السبت الماضي.
وظهرت زيارة ماكرون إلى مصر في صورتها الرسمية، باعتبارها حدثاً ثقافياً وتعليمياً مرتبطاً بافتتاح المقر الجديد لجامعة" سنغور" للدول الناطقة بالفرنسية.
وفي وقت انشغلت فيه وسائل الإعلام الرسمية بالصورة الرمزية للجولة المشتركة بين ماكرون والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، على كورنيش البحر المتوسط وقلعة قايتباي، وبالحديث عن" صداقة تاريخية" بينهما و" شراكة استراتيجية" بين القاهرة وباريس، أخفى الطرفان الأبعاد السياسية والعسكرية الأعمق، ليبقى الجانب الأكثر حساسية بعيداً عن الأضواء.
توقيت زيارة ماكرون إلى مصروأشارت مصادر دبلوماسية لـ" العربي الجديد"، إلى أن زيارة ماكرون إلى مصر جاءت بعد ساعات فقط من لقاء السيسي بالرئيس الإماراتي محمد بن زايد، في الإمارات، وسط تصاعد التوتر العسكري في الخليج والمخاوف من اتساع دائرة الحرب مع إيران.
يثير هذا الأمر قلقاً لدى مصر وفرنسا من خطورته على دول الخليج ومسار الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر وقناة السويس، وتسببه في مزيد من الاضطراب بمنطقة الشرق الأوسط، خصوصاً في غزة ولبنان.
أبوظبي وضعت في الآونة الأخيرة شروطاً لتعاونها مالياً وسياسياً مع الدول المرتبطة بها بعلاقات مباشرة أو منظمات إقليميةوقالت مصادر أخرى لـ" العربي الجديد"، إن أبوظبي وضعت في الآونة الأخيرة شروطاً لتعاونها مالياً وسياسياً مع الدول المرتبطة بها بعلاقات مباشرة أو منظمات إقليمية، وفقاً لما تبرزه تلك الدول من تعاون معلن ودعم مباشر في مواجهة الاعتداءات الإيرانية على الأراضي الإماراتية.
وأشارت المصادر إلى أنه في الوقت الذي يسعى فيه السيسي إلى تليين العلاقات مع الإمارات، فقد أطلق يد الدبلوماسية المصرية ممثلة في وزارة الخارجية، لتهدئة العلاقات مع السعودية والتواصل مع إيران لدفعها نحو وقف العمليات العسكرية على دول الخليج.
في هذا الصدد اعتبر خبير عسكري ولواء سابق مصري، طلب عدم ذكر اسمه، في حديث لـ" العربي الجديد"، أن زيارة ماكرون إلى مصر جرت في توقيت بالغ الحساسية مع تصاعد التوترات في الخليج والمخاوف من اتساع المواجهة مع إيران، وأضاف أنه" بينما ركزت البيانات الرسمية المصرية والفرنسية على الثقافة والتعليم والشراكة الاستراتيجية، جاءت المباحثات المشتركة لترسم صورة مختلفة تتعلق بإعادة تموضع أمني وعسكري في المنطقة".
وأوضح أن" تلك الصورة تتضح مع قراءة المشهد الذي أذاعته وكالة الأنباء الإماراتية السبت الماضي، حينما وضعت فيديو يتضمن زيارة السيسي وبن زايد، للفوج الجوي المصري المتمركز في الإمارات، فيما أظهرت الصور 13 طياراً مصرياً يقفون مع السيسي وبن زايد وجنرال مصري، أمام طائرة رافال فرنسية الصنع، والتي تحمل العلامات المصرية داخل إحدى القواعد الجوية الإماراتية".
أهمية الكشف عن طائرات رافال التابعة لمصر في أبوظبي أنها أول استخدام عملي معلن للمقاتلات الفرنسية المصرية خارج الحدود المصريةوأشار الخبير العسكري نفسه، إلى أنّ" أهمية هذا الكشف لا تتعلق بوجود فوج الطائرات المصرية داخل الخليج فحسب، بل بكونه أول استخدام عملي معلن للمقاتلات الفرنسية المصرية خارج الحدود المصرية في سياق إقليمي متوتر".
يرتبط ذلك، وفق الخبير، بطبيعة العقود العسكرية الفرنسية" التي تمنح باريس حق الموافقة السياسية على استخدام السلاح في مسارح خارجية"، مؤكداً أن" نشر الصورة لفوج الطائرات في أبوظبي، يوم زيارة ماكرون للإسكندرية أكسبها بعداً مختلفاً"، وأوضح أنّ" المشهد الذي بدا احتفالاً بالثقافة الفرنكوفونية والتعاون الأكاديمي، جاء متزامناً مع إعادة ترتيب أكثر حساسية في الخليج، إذ تتحول مقاتلات رافال المصرية، فرنسية الصنع، إلى جزء من معادلة الردع الإقليمي، في لحظة تحاول فيها القاهرة تجنّب الانزلاق الكامل إلى حرب لا تبدو راغبة في خوضها، لكنها تجد نفسها تقترب منها تحت ضغط التحالفات والأزمات الاقتصادية والتوازنات الإقليمية المعقدة".
وكانت مصر قد وقّعت صفقة شراء 24 مقاتلة" رافال" عام 2015، ثم صفقة إضافية لـ30 طائرة أخرى عام 2021.
بلغت قيمة الصفقة الثانية وحدها نحو 4.
5 مليارات دولار، بينما لعبت دول خليجية، بينها الإمارات، دوراً في تمويلها في إطار صفقات مالية كبيرة لدعم الاقتصاد المصري خلال السنوات الماضية، تقدرها مصادر مصرية بنحو 120 مليار دولار.
يأتي ذلك وسط توظيف الصفقات الممولة من الخليج في توسيع التعاون العسكري مع باريس، والدعم السياسي والاقتصادي من مجموعة دول الاتحاد الأوروبي.
في هذا السياق، أشار الخبير العسكري نفسه، إلى أن زيارة ماكرون إلى مصر" تبدو أبعد من مجرد افتتاح لمؤسّسة أكاديمية فرنكوفونية، سبق تأسيسها، منذ 30 عاماً"، معتبراً أن الزيارة بما تضمنته من رسائل دافئة عن" الشراكة الاستراتيجية" و" الثقة المتبادلة"، بدت أيضاً" غطاءً سياسياً لتفاهمات أوسع مرتبطة بإدارة التوتر الخليجي وإعادة توزيع الأدوار بين الحلفاء الإقليميين والغربيين".
في المقابل، وصف السفير المصري لدى فرنسا، طارق دحروج، في تصريحات صحافية، الزيارة بأنها" دفعة جديدة للشراكة الاستراتيجية القائمة على الثقة والاحترام المتبادل"، بينما أكد المتحدث باسم الخارجية الفرنسية باسكال كونفافريه، في تصريحات، أنّ الزيارة" تجسد عمق الشراكة الاستراتيجية بين البلدين".
وكتب ماكرون على وسائل التواصل الاجتماعي، أنه سعيد بلقاء" صديقه الرئيس عبد الفتاح السيسي لتعزيز الروابط القوية بين مصر وفرنسا".
عمار علي حسن: أبوظبي تسعى للحصول على ضمانات أمنية أوضح من القاهرة في ظل احتمال اتّساع الحرب في الخليجمن جهته اعتبر الكاتب السياسي عمار علي حسن، أنّ" التنسيق المصري الإماراتي بات تحت الضغط"، مشيراً في حديث لـ" العربي الجديد"، إلى أنّ أبوظبي تسعى للحصول على ضمانات أمنية أوضح من القاهرة في ظل احتمال اتساع الحرب في الخليج، بينما تحاول مصر الحفاظ على توازن حساس بين دعم حلفائها الخليجيين وتجنب الانخراط المباشر في مواجهة مفتوحة مع طهران".
وبحسب عمار، فإن" هذا التوازن يفسر الحذر المصري الواضح في إدارة الملف، فالقاهرة من ناحية لا تستطيع تجاهل المصالح الاستراتيجية والاقتصادية مع الإمارات، التي تعد أحد أهم الداعمين الماليين والاستثماريين لمصر خلال العقد الأخير، ومن ناحية أخرى تدرك حساسية الانخراط العسكري في صراع إقليمي واسع قد يحمل تداعيات اقتصادية وأمنية داخلية ضخمة".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك