مع ارتفاع معدلات البطالة في الضفة الغربية بصورة حادة وغير مسبوقة، نتيجة تراجع النشاط الاقتصادي وتقييد الحركة بفعل السياسات الإسرائيلية، أصبح العمل الحر عبر الإنترنت في مجالات البرمجة والتصميم خياراً أساساً عند أحمد البطة (28 سنة)، إلا أن ضعف الاتصال والإنترنت من جهة، والقيود المالية التي تعوق تسلم أجره من جهة أخرى، جعلا العمل من بعد غير مُجدٍ له اقتصادياً، فهو يخسر نصف أمواله تقريباً لشركات تحويل العملات والوسطاء، كيف لا والمنصات العالمية التي تقدم خدمات تكنولوجيا مالية لمئات الدول حول العالم، مثل" باي بال" و" سترايب" و" بايونير"، تقصي الفلسطينيين في الضفة الغربية كلياً من خدماتها المالية، وتفرض قيوداً مشددة عليهم، بينما يستطيع الإسرائيليون ومن ضمنهم المستوطنون في الضفة الغربية الذين يعيشون على مقربة من الفلسطينيين، الاستفادة من هذه الخدمات بالكامل من دون قيود.
ولم يتمكن البطة عبر صفحة أنشأها على" فيسبوك - ميتا" ينشر من خلالها مقاطع مصورة تعلم البرمجة والتصميم وتسجل آلاف المتابعين والمشاهدات يومياً، الانتفاع أو الحصول على دخل من التربح.
فـ" فيسبوك - ميتا" تحرم صانعي المحتوى ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية من التربح وتحقيق عوائد من صفحاتهم، من خلال استبعاد الضفة الغربية وقطاع غزة من قائمة البلدان المؤهلة لتحقيق مكاسب مالية وجني الأرباح، في حين أن وسائل إعلام إسرائيلية مثل" القناة السابعة" التابعة للمستوطنين، والقناة" 14" اليمينية المتطرفة، وحتى حسابات رسمية مثل شرطة إسرائيل باللغة العربية مدرجة ضمن برامج التربح، على رغم أن ذلك يخالف سياسات" فيسبوك - ميتا" التي تحظر مشاركة الجهات الحكومية.
وحذر المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي، من أن تحقيق الدخل من هذا النوع من المحتوى لا يمكن اعتباره خللاً تقنياً أو ثغرة إجرائية فحسب، بل هو ممارسة تسهم في تحفيز هذا النوع من المحتوى، وتطبيع الانتهاكات وتعزيز انتشارها.
بموجب اتفاقات أوسلو 1993-1995 التي منحت الجانب الإسرائيلي سيطرة أمنية وإدارية كاملة على الطيف الترددي الفلسطيني والمنافذ الدولية، تمنع إسرائيل الفلسطينيين من بناء محطات تقوية أو شبكات مستقلة خاصة في المناطق" جيم"، وتتحكم في إدخال معدات الاتصالات عبر الموانئ تحت ذرائع أمنية، مما يفرض تبعية تقنية واقتصادية على الفلسطينيين للشركات الإسرائيلية، التي تستغل بدورها ضعف تغطية الشبكات الفلسطينية لفرض تغطية خلوية إسرائيلية غير مرخصة، مما يتسبب في خسائر مالية ضخمة للاقتصاد الفلسطيني.
وفيما يتمتع المستوطنون بوصول كامل لكل الخدمات الرقمية في العالم، تعيش الضفة الغربية وقطاع غزة تحت وطأة حصار تكنولوجي منقطع النظير.
ففي وقت انتقلت فيه تكنولوجيا الشبكات الخلوية الإسرائيلية من الجيل الرابع إلى الجيل الخامس، لا يزال الفلسطينيون في الضفة منذ عام 2018 على خدمات الجيل الثالث فقط وفي غزة على الجيل الثاني، مما يدفع بعديد من الفلسطينيين للحصول على بطاقات SIM إسرائيلية بطرق غير قانونية للوصول إلى خدمات أسرع وأكثر أماناً.
ووفقاً لمحللين، فإن القيود الرقمية التي تفرضها إسرائيل على الفلسطينيين والتحكم الكامل في البنية التحتية للاتصالات، يحرمان الاقتصاد الفلسطيني من أحد أهم محركات النمو الحديثة.
فنتيجة تعطيل نمو قطاع الاتصالات، أشارت تقديرات للبنك الدولي إلى أن هذه القيود تسببت بخسائر اقتصادية تراوح ما بين 0.
4 و1.
5 مليار دولار.
ووفقاً لمركز الأعمال وحقوق الإنسان، تمنع إسرائيل شركات الاتصالات الخلوية الفلسطينية من إدارة قنواتها الدولية الخاصة بها، إذ تطالبها بالمرور عبر شركة مسجلة في إسرائيل حتى تجري اتصالات دولية، وهو ما يسهل على شركات الاتصالات الإسرائيلية تحصيل رسوم باهظة على الاتصالات المحلية والدولية.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)الفجوات العميقة التي يعانيها المواطنون الفلسطينيون في الحصول على خدمات رقمية عادلة ومتساوية مقارنة بالمواطنين الإسرائيليين، لم تتوقف عند حدود سياسات حذرة ومتحيزة لدى منصات الدفع العالمية.
فالتجارة الإلكترونية التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمنصات الدفع، تواجه كذلك عقبات لا حصر لها في الضفة الغربية.
فكبرى المواقع العالمية لا تدرج السوق الفلسطينية ضمن العناوين المتاحة لتوصيل السلع ولا تتيح للتجار الفلسطينيين تلقي الأموال في حال بيع منتجاتهم على تلك المواقع، مما يضطر التجار الفلسطينيين للاعتماد على شركات وسيطة ترتفع معها كلف الشحن.
وقد كشفت صحيفة" فاينانشيال تايمز" الأميركية قبل أعوام أن شركة" أمازون" الشهيرة تقدم شحنات مجانية للمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، إلا أنها تفرض رسوماً على العملاء في البلدات الفلسطينية المجاورة مقابل خدماتها، إلا في حال اختاروا إسرائيل عنواناً لهم، بسبب غياب خيار فلسطين في القوائم المنسدلة للشركات العالمية، وهو ما يعتبر بالنسبة إلى كثيرين تهميشاً رقمياً وسياسياً مباشراً.
وقد أدت العقبات المتتالية وصعوبة الاندماج في التجارة الإلكترونية لاعتماد الفلسطينيين بصورة شبه كلية على مواقع التواصل الاجتماعي لبيع منتجاتهم أو تقديم الخدمات، بدلاً من الأسواق الإلكترونية العالمية.
وأكدت منظمة" سلام الآن" الحقوقية اليسارية الإسرائيلية، أن الفرق بين الخدمات للإسرائيليين وتلك التي تقدمها شركات تجارة إلكترونية عالمية شهيرة للفلسطينيين" يضيف إلى الصورة العامة لمجموعة من الأشخاص الذين يتمتعون بامتيازات المواطنة، بينما لا يتمتع بها الآخرون الذين يعيشون في المنطقة ذاتها".
وبحسب دراسة بحثية نشرت أخيراً للمركز العربي لتطوير الاعلام الاجتماعي (حملة)، فإن حجب خدمات" باي بال"، التي تنشط في أكثر من 200 بلد حول العالم في عملية نقل الأموال عبر أنظمة رقمية، يحد من قدرة الفلسطينيين على مزاولة الأعمال التجارية، ومشاركتهم في النشاط التجاري العالمي، وبخاصة الشركات والمشاريع الصغيرة.
وقد أكدت الحملة أن الإقصاء الذي تتبعه مئات الشركات والمواقع والمنصات على الفلسطينيين بحجج مالية وأخرى لأنها" عالية الخطورة" غير مبررة، بخاصة أن البنوك الفلسطينية تعد جزءاً من شبكات عالمية.
فهي تصدر بطاقات خاصة بالدفع الإلكتروني وتشارك في نظام سويفت العالمي للتحويلات الدولية، وقد وضعت سلطة النقد الفلسطينية تدابير لمنع غسل الأموال بموجب المعايير الدولية.
وبينت دراسة أعدها الباحث أبي العبودي قبل أعوام، أن السياسات التمييزية التي تتبعها" باي بال" تحرم أكثر من 42 ألف طالب فلسطيني من الوصول لفرص عمل على أكثر من 120 موقع عمل من بعد، مشيراً إلى أن هذه الأرقام مرجحة للارتفاع بعد زيادة اعتماد الشركات حول العالم على العمل من بعد، بخاصة أثناء وبعد جائحة كورونا.
على رغم سياسة الاستبعاد التي تنتهجها منصات الدفع العالمية مثل (PayPal) و(Payoneer) مع الفلسطينيين في كل من الضفة والقطاع، وإجبار العاملين المستقلين ورواد الأعمال الفلسطينيين على الاعتماد على حلول دفع بديلة تكون غالباً عالية الكلف، وغير مستقرة، وتفتقر للأمان المالي الرقمي، يكافح الفلسطينيون من أجل البقاء على المنصات الرقمية، سواء للعمل أو التفاعل.
إلا أن تحكم إسرائيل الخانق في الترددات ومنع الشركات الفلسطينية من إدخال التقنيات الحديثة، يجعلان من الصعب على الفلسطينيين الانتظام في سلاسل الإمداد العالمية للتجارة الإلكترونية.
فمع تكامل القيود الرقمية مع القيود المادية بات من الصعب جداً على الفلسطينيين تحويل هذا النشاط إلى قيمة اقتصادية مستقرة أو مستدامة، في وضع يصنفه مراقبون أنه شكل من صور الإقصاء غير المباشر والمعقد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك