يكشف كتاب" الجغرافيا المقلوبة: عن الحداثة المصرية ومآزقها" (بيت الحكمة للثقافة، القاهرة، 2025) لمهاب نصر، عن مواضع الخلل التي منعت اكتمال المشروع الحداثي في مصر، مركزاً على مشكلات من بينها مركزية كل من المدينة واللغة والثقافة في المأزق، فضلاً عن التدخل السياسي الفج في كل المجالات، كما يرصد المفارقات القائمة بين الجغرافيا والتاريخ، وشيوع المفاهيم المقلوبة التي باتت أشبه بحقائق راسخة تمنع تصحيح المسار.
يضمّ الكتاب مجموعة مقالات نقدية مطولة كتبها الشاعر والناقد المصري مهاب نصر (1962-2023)، بين عامي 2013 و2021، يستعرضها في خمسة أبواب منفصلة، لكنها تظل متشابكة إلى حد بعيد، ويحاول الكاتب من خلالها تشريح المبادئ المتخيلة للحداثة في المجتمع المصري، والتي يراها بعيدة تماماً عن كونها مشروعاً مكتملاً.
ويقول: " يصبح الوطن شخصاً اعتبارياً يقف على خشبة مسرح، أو هو خشبة المسرح ذاتها التي يتناوب عليها الأبطال التراجيديون".
يناقش الكاتب في الفصل الأول المركزية الجغرافية القومية في روايات أديب نوبل الراحل نجيب محفوظ (1911- 2006)، ويقدم نقداً حاداً لفكره وسرده، موجهاً إليه، عبر تحليل شخصيات رواياته، اتهامات بتعمد اختيار موضوعات لا تعبر عن غالبية المصريين، كما لا تصطدم بخطوط السلطة الحمراء، بينما لا تلتزم عادة بالسياق المحافظ الرائج مجتمعياً.
يبدأ الكتاب الانتقادات بالقول إن محفوظ لم يكتف باعتبار نفسه كاتب القاهرة، لا مصر كلها، بل قرر أن يكون كاتب الجزء الشرقي من المدينة فقط، " تلك البقعة المسنودة على هضبة المقطم، مدينة الفتوات والتجار والجوامع والتكايا"، مضيفاً أن" معظم أعماله تدور في هذا الجزء المحتشد بالتاريخ، والملوث بالرمال"، وأن اختيار اسم الجبلاوي في روايته الشهيرة" أولاد حارتنا" هو مثال على التأثر المباشر بالجبل (المقطم) الذي يحتضن المدينة.
ويحيلنا الكاتب على مصطلح" النسب الصحراوي للقاهرة"، والذي صكه صاحب" شخصية مصر" جمال حمدان (1928- 1993)، ليحدد ما يشبه قطيعة عمرانية للنمط الفرعوني لمكان العاصمة، والتي بدأت مع الفتح العربي ببناء العاصمة على الجانب الشرقي من نهر النيل، بداية من" العسكر"، مروراً بـ" القطائع"، وصولاً إلى قاهرة المعز لدين الله الفاطمي.
وكتب حمدان: " على هضبة الأهرام والجيزة بقايا العصر الفرعوني، وإن كانت معلقة كالحفريات، بينما على سفوح المقطم وعند أقدامه ترقد المدينة الحديثة".
ويرى مهاب نصر أن طبيعة الجغرافيا التي خلقها محفوظ خلال السرد الروائي تمثل الحدود ذاتها التي تعتمدها النخبة الثقافية والفكرية المصرية حتى الوقت الحاضر في تعريفها للوطن، وحدود العلاقات الإنسانية فيه، وأنه اختار عن وعي بيئة شرق القاهرة التي تمتد من أحياء الحسين والسكاكيني والمقطم والحسينية والجمالية وباب الشعرية والوايلي إلى حدود العاصمة قديماً عند حلوان جنوباً والعباسية غرباً.
يرصد شيوع مفاهيم مقلوبة باتت حقائق راسخة تمنع تصحيح المسارويؤكد أن تلك الفكرة كانت مركزية في جيل محفوظ كله، وهو جيل مرحلة" مصر للمصريين" التي صاغها أحمد لطفي السيد (1872-1963)، وترى الاستقلال مرهوناً بالولاء الوطني.
ويقول الكاتب إن" فكرة الواقعية في أدب محفوظ تعود إلى طبيعة عقيدته الأدبية التي كانت في جانب أساسي منها ترجمة لأيديولوجيا التمصير، والتي تحدد معناها مسبقاً بقرار نخبوي جماعي مفاده إنجاز أدب مصري بمسحة محلية"، وتلك المسحة قائمة أساساً على مدينة القاهرة، ولا مكان فيها للأطراف.
ويرصد الكتاب أن القاهرة بوصفها مدينة محاصرة بالصحراء لا تتفاعل مع أبطال روايات محفوظ، ولا تشكل لهم مرجعاً، بل إطاراً قهرياً من العزلة، ولذلك يهيم بعضهم فيها كالأشباح.
وحين تنتقل بيئة السرد إلى الصحراء، أو إلى الجهة الغربية من النهر، حيث الأحياء الجديدة، يكون ذلك إما للتعبير عن علاقات غير شرعية، كما في" بداية ونهاية"، وإما خارجة عن السياق الاجتماعي كما في" قلب الليل"، أو معبرة عن الانعزال كما في" الحرافيش".
ويقول إن" واقعية محفوظ ترصد المكان (القاهرة) على هيئة فخ أو مصيدة، والخروج منه هو الموت المحقق، والسقوط هو حليف كل محاولة للإفلات منه".
ويستشهد بشخصية" أحمد عاكف" بطل رواية" خان الخليلي"، والذي سبَّب تغيير مكان إقامته تغييرَ مصيره.
حين يخرج أبطال محفوظ من القاهرة، تكون الإسكندرية؛ مدينة مهاب نصر، ملاذهم، ورغم أهميتها كونها ثاني أكبر مدن مصر، تظل مهمشة أيضاً، فهي إما مشفى للخارجين من معترك السلطة، وإما استراحة للساقطين من مسرح السياسة، كما في" ميرامار" و" السمان والخريف".
ويلحظ الكتاب أن محفوظ تجاهل الريف بالكلية، رغم أنه يحتل غالبية المساحة المأهولة في مصر، ولم يتعرض للشخصية الريفية سوى في إطار التحولات الجذرية التي تطرأ عليها حين تنتقل إلى المدينة، وتعد شخصية محجوب عبد الدايم في" القاهرة الجديدة" نموذجاً لفكرة الفرار من رجعية التقاليد الريفية إلى انفتاح المدينة.
ويستطرد نصر: " هناك أيضاً فكرة العمل الغائبة دائماً عن روايات محفوظ، رغم أهميته كممارسة تجمع البشر تعيد صياغة أولوياتهم، وتنشئ العلاقات بينهم، إذ لا يمتلك سرد محفوظ الروائي أية تفاصيل دقيقة عن أي صنعة أو مهنة، وبالتالي لن تظهر كثيراً كلمة المصنع، وكأنك تعيش في دولة موظفين وتجار وأصحاب دكاكين".
يلفت" الجغرافيا المقلوبة" كذلك إلى حرص جيل محفوظ من المثقفين المتصلين بالسلطة الحاكمة على اعتماد اللغة العربية، والكاتب لا يرى في ذلك مجرد حرص على الأصل الثقافي، وإنما يعتبره محض دعم للغة الدولة الرسمية.
ويستدرك أن ذلك" لا يعني أن كتاب النخبة المصرية بصفة عامة كانوا يسعون للالتحاق بمؤسسات السلطة، وإنما كانوا ينظرون إلى الدولة باعتبارها مشروعاً عقلانياً مجرداً ينبغي دعمه، حتى يتمكن من صون المجتمع".
ويحيلنا الكتاب على مقطع معبر لشاعر النيل حافظ إبراهيم (1872- 1932) من كتاب" ليالي سطيح"، يقول فيه إن" للناس في مصر لسانين، وقد تناكرا حتى اختصوا الأول بالكلام، وجعلوا الثاني من نصيب الأقلام"، في وصف صريح لحالة الازدواجية السائدة في المجتمع المصري، حيث يُنتقد الظلم في الخفاء، ويُمدح الظالم في العلن، ما يجسد الخوف من السلطة، ويسلط الضوء على نفاق اجتماعي وسياسي رائج.
ويضيف مهاب نصر: " أخبار العالم يقولها الأبطال، بينما لا نرى أبداً هذا العالم، كما أن مصائر الشخصيات مرتهنة بمسار الدولة، وأسئلتهم الوجودية هي صدى مباشر للسؤال السياسي العام".
يقول محفوظ على لسان البطل في رواية" حضرة المحترم"، إن" الدولة هي معبد الله في الأرض، وبقدر اجتهادنا فيها تتقرر مكانتنا في الدنيا والآخرة".
واقعية أدب نجيب محفوظ هي ترجمة لأيديولوجيا التمصيرينتقل صاحب" الجغرافيا المقلوبة" لاحقاً إلى مرحلة أوسع من نقد نجيب محفوظ، فيقرر أن" الشائعة القائلة بتسجيل محفوظ القاهرة التاريخية بتفصيل حاراتها وأزقتها وعادات أهلها تحتاج إلى إعادة نظر.
إذ تبدو مخالفة لواقع الحال، فسرد محفوظ فقير في تفاصيله"، وهو يستشهد بـ" ميرامار" و" ثرثرة فوق النيل"، حيث تعيش الشخصيات في بيئة مكانية معزولة، غالباً شقة مفروشة، أو عوّامة، أو بنسيون" فندق شعبي صغير".
ويحيلنا مجدداً على دراسة الناقدة المصرية سيزا قاسم (1935-2024)، بعنوان" بناء الرواية: دراسة مقارنة في ثلاثية نجيب محفوظ" (1978)، وتقول فيها إنه" إضافة إلى كون العناصر التي يختارها محفوظ لوصف المكان ليست معبرة، فإن هناك تكراراً لنفس العناصر، فالبيوت والحجرات تظهر في نفس الشكل وعلى نفس الطراز، والسمات مشتركة بين الأماكن المختلفة، وليست سمات مميزة".
ويستدرك نصر: " حتى لا يكون نجيب محفوظ ضحية، يدفع الجميع الثمن، بمن فيهم محفوظ نفسه، فرغم كل التكريس الإعلامي والعالمي، لم يقرأ أعماله سوى الآلاف من أبناء بلاده، وهم نخبة محاصرة مثله تماماً".
ويفسر: " صنع لنا التاريخ نجيب محفوظ، لكن محفوظ لم يكتب تاريخاً، لم يكتب حتى ثغرات التاريخ الرسمي، لأن ما هو شخصي وما هو عام عنده مجرد نماذج في رواياته، فلا هذا هو المواطن، ولا هذا هو الوطن".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك