يأتي كشف صحيفة «وول ستريت جورنال» الأمريكية عن وجود قاعدة عسكرية سرية تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيلي في صحراء العراق لإدارة العمليات العسكرية، خلال العدوان على إيران، ليفضح رعايا اللوبي الصهيوني، من الناطقين بالعربية، الذين يروّجون طوال الوقت بأن إسرائيل دولة مسالمة، وأن إيران العدو الأول والأخير لشعوب المنطقة.
منذ اليوم الأول للعدوان الصهيوأمريكي على إيران، والذي بدأ في 28 فبراير الماضي، باستهداف 170 طفلة في إحدى مدارس مدينة ميناب، نشطت عناصر تنتمي إلى ما يمكن وصفه باللوبي الصهيوني الناطق بالعربية، عبر مختلف وسائل الإعلام ومنصات السوشيال ميديا تردّد رسالة واحدة مفادها أن الكيان الصهيوني دولة مسالمة تحترم المواثيق والمعاهدات الدولية، ولا تشكل أي تهديد للأمن القومي العربي.
بعض تلك العناصر ركّزت على ما وصفته بالتزام الكيان الصهيوني ببنود اتفاق السلام (كامب ديفيد) مع مصر، مدعية أنه لم يدعم أي مخططات تهدّد الأمن القومي المصري على وجه الخصوص.
لهذا اللوبي الذي يصف نفسه بالليبرالي أدبياته، التي تعتبر الكيان الصهيوني دولة علمانية بعيدة كل البعد عن الدولة الدينية من حيث أيديولوجيتها وممارساتها السياسية، ومن هذه الزاوية دعم العدوان على إيران كونها دولة دينية، وبالطبع تبنى مقولة الكيان الصهيوني (إسرائيل واحة الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، وسط محيط عربي لا يؤمن إلا بالعنف).
وأمام تصريحات مجرم الحرب بنيامين نتنياهو بشأن سعيه لإقامة دولة إسرائيل الكبرى (من النيل إلى الفرات) وتغيير خريطة الشرق الأوسط بالقوة العسكرية يتبجحون بالقول إن هذه مجرد أحلام وإن نتنياهو مضطر لمملاءة اليمين الصهيوني المتطرف، العمود الفقري لحكومته، حتى لا تنهار هذه الحكومة.
ليس أخطر على شعوب منطقتنا من العدو الداخلي، والذي تتكشف ملامحه وعناصره ومكوناته مع كل صراع تدخله شعوبنا.
في سنوات الخريف العربي، التي بدأت عام 2011، انكشف الإسلام السياسي أمام الشعوب كعدو يرتدي عباءة الدين، بعد أن ظهرت نواياه الحقيقية، وطبيعته كتيار إرهابي دموي، وفوق ذلك يعمل لصالح أجندة الغرب الصهيوني.
ومع اندلاع أحداث طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023 بدأت تتكشّف ملامح عدو داخلي جديد يبدو نقيضاً لحركات الإسلام السياسي من داعش إلى الإخوان، لكنه يزاملها في خدمة الأجندة الغربية الصهيونية ذاتها.
يرتدي هذه المرة عباءة الثقافة والتنوير والثورة على الموروث المتخلف، وهو ما يُمكن تسميته بالليبرالية الوظيفية.
يدّعون أن الحديث عن سقوط الدولة الإيرانية وتفكيكها، وشيوع الفوضى والحروب الأهلية على أساس طائفي وعرقي، مما سيؤدي إلى اختلال موازين القوى بما يسمح للمشروع الصهيوني بالتوسّع والتمدّد، وفرض نفوذه على كل دول الإقليم، مجرد كلام فارغ، وأوهام لا تدور إلا في خيال الإسلاميين والعروبيين.
من وجهة نظرهم، أصبح كل مواطن شرق أوسطي يحمل هذه الرؤية، بما في ذلك دوائر صنع القرار السياسي في كل دول المنطقة، ينتمون إما لتنظيم الإخوان الإرهابي وإما لفلول الناصريين القوميين العروبيين.
هذه الجماعة الوظيفية المرتبطة بشبكة مصالح معقدة مع الأجندة الصهيوأمريكية عبر مؤسسات ثقافية وإعلامية، لم ينتقدوا احتلال الكيان الصهيوني لمحور فلادلفيا ولم ينظروا إليه باعتباره خرقاً للملحق الأمني لاتفاق كامب ديفيد، الموقع في عام 2005 والمعروف باتفاق المعابر.
هذا اللوبي دعم جرائم ومذابح ميليشيا الدعم السريع الإرهابية في السودان، باعتبارها تنتصر لقيم الحرية والدولة المدنية العلمانية.
ورغم تقارير برلمان الاتحاد الأوروبي والكونجرس الأمريكي ووكالات الأنباء العالمية، التي أدانت بوضوح دعم وكلاء المشروع الصهيوني في المنطقة لتلك المجازر، لم ينطق أحدهم بكلمة، ولم يعتبر ذلك تهديداً للأمن القومي المصري والعربي.
هذا التيار المأجور نفسه لم ينتقد بحرف واحد دعم وكلاء المشروع الصهيوني لسد الخراب الإثيوبي والانفصاليين في الصومال واليمن، وعصابات أبوشباب وممتاز دغمش، التي أعلن بنيامين نتنياهو صراحة أنه قام بتأسيسها وتشكيلها داخل قطاع غزة، وكل ذلك أيضاً يُشكل تهديداً خطيراً للأمن القومي المصري والعربي.
يتامى المشروع الصهيوني ما زالوا ينكرون فشل العدوان الصهيوأمريكي على إيران، ويتمسّكون ببقاء الهيمنة الأمريكية، ومد نفوذ الكيان الصهيوني، بإطلاق دعوات مريضة لتفكيك كل المنظمات الإقليمية العربية والإسلامية.
قاعدة جيش الاحتلال، التي تم بناؤها سراً داخل صحراء العراق بغطاء أمريكي، قد يكون لها ما يماثلها، ولو في شكل خلايا صغيرة منتشرة عبر صحاري المنطقة، وهذا ما يُفسر هجمات بمقذوفات وطيارات مسيرة مجهولة المصدر ضد أهداف مدنية في دول الخليج، بهدف تعميق الخلاف بين الدول العربية وجارتها التاريخية إيران.
عناصر هذا اللوبي الصهيوني الناطق بمختلف اللهجات العربية خلايا سرطانية لا تقل خطورة عن تلك الخلايا الإسرائيلية الإرهابية، فهذه الأخيرة تفجّر سفناً وموانئ وحقول بترول ومقار دبلوماسية، لتوريط دول الخليج في الحرب على إيران، وإفشال أي محاولة نحو التسوية السلمية، بينما الأولى تسعى لإشعال نيران الفتنة بين الأمتين العربية والفارسية، خدمة لهدف نتنياهو الأكبر، وهو استمرار الحرب.
المناورة المصرية بالذخيرة الحية على بُعد مائة متر فقط من الحدود الدولية مع أراضي فلسطين المحتلة كانت بمثابة إعلان مصري بوأد المشروع الصهيوني التوسعي، ورسالة تحدٍّ وإنذار، مفادها أنه لن يُسمح لهذا المشروع بتهديد أمن مصر في السودان والقرن الأفريقي، ومنطقة الخليج العربي.
المناورة جاءت تتويجاً لتعميق وترسيخ الوجود المصري العسكري والسياسي في قلب شرق أفريقيا وجزيرة العرب، ليصبح أي وجود صهيوني مجرد محاولة يائسة، وحرث في الماء.
هذه التحركات السياسية والعسكرية المصرية، ذات الطابع الاستراتيجي لا بد أن يرافقها دعم لكل القوى والتيارات السياسية، الليبرالية والعلمانية واليسارية والعروبية الوطنية، التي تتباين في أيديولوجيتها، لكنها توافقت على الإيمان بالدولة الوطنية، والعمل من أجل تقوية وتدعيم ركائزها، ورفض الارتباط بكل الأجندات الخارجية.
هذه القوى واضحة في كل دول المنطقة وضوح الشمس، وأبرز علاماتها أنها لم ترتبط يوماً بمؤسسات إعلامية أو ثقافية أو حقوقية تعمل بتمويل ودعم أجندة الغرب الصهيوني، ولو كان شكلها عربياً، ومهما تبنّت من شعارات براقة تبدو تنويرية.
هذه هي النخبة الحقيقية، التي تُشكل قوة مصر الناعمة، وهناك مثلها في الدول العربية، يقودها كتاب ومفكرون وفنانون ومجددون وعلماء يعملون بعيداً عن الأضواء، غير طالبين للشهرة، ولا يغيرون مواقفهم حسب مصدر التمويل، ولا يتراقصون على الحبال، ولم يدعموا يوماً جماعة الإخوان، أو أي جماعة أخرى لا تؤمن بالوطن، سواء قبل 2011 أو بعده.
هذه النخبة هي العلاج الحقيقي المناسب للقضاء على تلك الخلايا السرطانية من يتامى المشروع الصهيوني وأرامل نتنياهو.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك