إن الأوطان لا تحرس بعلو الصياح، ولا تصان بكثرة النياح، ولا تقوم على جلبة الحناجر، كما لا يقوم البحر على الزبد العابر؛ فإن الضوضاء بنت ساعة، والشعار ضيف موسم، وما كان كذلك أسرع شيء إلى الانقشاع والذهاب، وأوشك أمر إلى التبدد والانمحاق.
وإنما تثبت الدول بالحلم إذا خف العقل، وبالرأي إذا اضطرب الناس، وبقوم ينظرون إلى العواقب نظر الطبيب إلى العلة، لا نظر الصبي إلى الزينة.
وهؤلاء يعلمون أن الخلاف قد يدار فلا يضر، وأن البلاء كل البلاء في فكر إذا استحكم في النفوس نقلها من الألفة إلى الوحشة، ومن الاجتماع إلى التنازع، حتى يجعل الأمة الواحدة فرقا وأحزابا، لكل فرقة علم، ولكل علم عصبية، حتى يغدو الوطن عندهم متاعا يؤخر، لا عهدا يوقر، واسما يقال، لا ذمة ترعى ولا ميثاقا يحفظ.
حفظ الله مملكة البحرين، بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم حفظه الله ورعاه، وأدام ملكه، وأطال عمره، وبتوجيهات صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء حفظه الله من كل سوء ومكروه.
وقد فطنت مملكة البحرين، حرسها الله، إلى أمر غفل عنه كثير من الناس؛ وذلك أن العداوة ليست كلها فيما يطرق الأبواب من خارج الأسوار، بل منها ما يدخل إلى القلوب دخول الدبيب، ويسري في العقول سريان السم في العرق، حتى يخلع الرجل من وطنه خلعا، ويصرف ولاءه صرفا، فيرى البعيد أدنى إليه من القريب، والغريب أولى به من الحميم والنسيب.
فإذا وقع ذلك، تفرقت جماعة جمعها الدين والتاريخ والمصير، لا بالسيف، ولكن بأوهام السياسة، ودعاوى التقديس، حتى يصير الانقسام عند قوم ديانة، والتشظي عندهم سياسة، والفرقة باب نجاة، وما أكثر من يخدع بالشعار إذا زخرفوه، وباللفظ إذا حسنوه، وبالدعوى إذا كرروها، حتى يصير الباطل عنده حقا من كثرة ما سمع، لا من صحة ما عقل.
ولقد أحسنت وزارة الداخلية، بقيادة معالي الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة، إذ كشفت أمر كل تنظيم إرهابي فئوي، قد لبس للطائفية ثوبها، وتستر بالدين تستر المنافق بورعه، وهو، عند الامتحان لا عند الادعاء، مشروع ولاء لا يعرف وطنا، ولا يرعى ذمة ولا عهدا، قائم على ولاية الفقيه التي جاء بها الخميني، بعد أن لم تكن من أصول المذهب أصلا، ولا من دعائمه فصلا، وإنما هي سياسة ألبست لباس العقيدة، ليحول بها الولاء عن الأوطان، وتجعل البلاد ساحات، والشعوب أدوات، والأعناق سلاسل تقاد إلى غير ديارها، حتى صار بعض الناس يبصر بعين غيره، ويسمع بأذن غيره، وينطق بلسان غيره، ويغضب لوطن لم يولد فيه، ويخاصم وطنا ولد على ترابه وأكل من خيره، ويخون الأرض التي آوته، والدولة التي حفظته.
ولقد صدق رؤساء المآتم والوجهاء، حين نطقوا بالحق منذ الأمس نطق من لا يخاف في الوطن لومة لائم، فأبطلوا دعوى قوم نصبوا أنفسهم أوصياء على الناس والدين وعلاقة العبد بربه سبحانه وتعالى، وكشفوا زيف المتاجرين بالانقسام، وردوا الميزان إلى اعتداله بعد اضطرابه، فبينوا أن البحرين فوق كل فتنة، وأن الوطن أجل من كل جماعة، وأن المنتسبين للمذهب الجعفري ليسوا ضيعة لشعارات مؤدلجة، ولا سوقا لتجار السياسة، ولا مطية للمتعيشين من زرع الشقاق، والمتكسبين بجمع الأموال تحت شعارات يظهرونها للناس إظهار الشعائر، وهي في حقيقتها وقود فتنة، وذريعة شقاق، ومعول فرقة، ووسيلة لتغذية عبث فكر ولاية الفقيه، وتصديره إلى الأوطان حتى تضطرب مجتمعاتها، وتتدابر شعوبها، وينزع الولاء من الدولة نزعا ليعلق في غير موضعه تعليقا.
والمذهب الجعفري، على قدمه ورسوخه، كان قائما قبل الخميني، وقبل أن يحدث ولاية الفقيه إحداثا، وسيبقى بعد ذهاب غلوها، كما يبقى البحر وإن ذهب الزبد، وكما تبقى الجبال وإن مرت عليها الرياح؛ لأن المذاهب أبقى من السياسات، وأرسخ من حيل الجماعات، وليس من شأن الدين أن يختزل في حزب، ولا أن يحبس في جماعة، ولا أن يجعل تجارة لأرباب الأدلجة والتعبئة.
وسيبقى المجتمع البحريني، بإذن الله، كما كان دوما متحابا متماسكا، تختلف مذاهب أبنائه ولا تختلف قلوبهم، وتتنوع شعائرهم ولا يتنازع ولاؤهم؛ فما كان أهل البحرين يوما إلا إخوة تجمعهم راية الوطن، ويضمهم تاريخ واحد، ومصير واحد، وولاء واحد.
ومهما اجتهد أصحاب الفكر الهدام، وتجار الفتن والانقسام، في تمزيق هذا النسيج، فلن يبلغوا منه إلا مبلغ النافخ في الرماد؛ لأن ما بني على المحبة الصادقة، والعيش المشترك، ووحدة المصير، أعصى على الهدم من أن تزيله دعاوى الفرقة والاحتراب.
ومن عجيب أقدار الله أنه قد يجعل في البلاء عين التنبيه، وفي المحنة باب المعرفة، وقد قال سبحانه: ﴿وعسىٰ أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم﴾.
فالحرب والتوترات بين أمريكا وإسرائيل وإيران لم تكشف خرائط السياسة وحدها، بل كشفت خرائط الولاءات أيضا، وعرت وجوها طالما احتمت بالشعارات، حتى إذا ادلهمت الخطوب، وعظمت الكروب، ظهر المخبوء، وانكشف المستور، وربحت البحرين من ذلك وعيا أرسخ، وأمنا أمكن، وفهما أنفذ بخطر الفكر الفئوي والتنظيمات العابرة للأوطان.
وقد أحسن رجالات وزارة الداخلية، بقيادة رجل الحكمة والحزم، معالي الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة، إذ أخذوا هذا الملف بالشدة في موضعها، واللين في موضعه، فحفظ الوطن من مزالق الفتن، وسلمت الدولة من غوائل العبث، وبقيت البحرين بعون الله آمنة مطمئنة في ظل قيادة حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم، وعضده صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، وأدام الله عليها نعمة الأمن والوحدة والثبات، وصرف عنها كيد الكائدين وعبث العابثين، إنه سميع مجيب.
* مستشار شؤون الإعلام بديوان ولي العهد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك