أخطر ما يحدث أثناء الأزمات هو ما يحدث داخل العقول البشرية؛ هناك حيث تضيق المسافة بين الحقيقة والانفعال، وتصبح المجتمعات أكثر قابلية للاندفاع خلف الرواية الأسرع وصولًا، لا الأكثر دقة.
في تلك اللحظة تعمل الصحافة داخل منطقة شديدة الحساسية، لأن الكلمة تنقل الحدث وتعيد تشكيل المزاج الجمعي، وقد تمنح الناس قدرة على الاحتمال وشيئًا من الطمأنينة، وقد تدفعهم نحو مزيد من القلق والاستنزاف النفسي.
لذلك يصبح للأسلوب التحريري أثر يتجاوز اللغة نفسها؛ فطريقة التعبير قد تبني تماسكًا اجتماعيًّا هادئًا، أو تحوّل الخوف إلى عدوى تنتشر بصمت بين الجميع.
من هنا تتجلى القيمة الحقيقية للصحافة الجادة، في قدرتها على خلق “مسافة آمنة” بين الحدث وردة الفعل.
مساحة تمنح المجتمع فرصة للفهم قبل الانفعال، ولرؤية الصورة كاملة بدل التعلق بجزء منها.
فالمشكلة المعاصرة تكمن في تضخيم المعلومات؛ إذ يتلقى الإنسان خلال ساعات ما كان يحتاج أيامًا للوصول إليه، ومع هذا التدفق المتسارع تتكدس الصور والتصريحات والتحليلات حتى يفقد الحدث أحيانًا معناه الحقيقي، ويصبح العقل مثقلًا بالتوتر وعاجزًا عن التمييز.
هنا تستعيد الصحافة دورها الحقيقي عبر إعادة ترتيب الفوضى في صيغة قابلة للفهم، ووضع كل حدث داخل حجمه الطبيعي دون تهوين أو تهويل.
فعادة يقرأ الناس الأخبار بعقولهم، ولكن في الأزمات قد تُقرأ من خلال مخاوفهم أيضًا، ومن يكتب تحت هذا الظرف يشارك بصورة مباشرة في تشكيل المزاج العام.
فالعنوان المتسرع قد يترك قلقًا يمتد أيامًا، بينما تمنح الصياغة المتزنة مجتمعًا كاملًا قدرة أكبر على التقاط أنفاسه.
ولهذا تصبح الحكمة التحريرية جزءًا من الأمن المعنوي للدول.
ومع اتساع الفضاء الرقمي تتضاعف أهمية هذا الدور، لأن المجتمعات اليوم تواجه الحدث والطريقة التي يُعاد إنتاجه بها آلاف المرات خلال ساعات قليلة.
لذلك، فإن أعظم ما يمكن أن تفعله الصحافة أثناء الأزمات هو نقل الحقيقة وحماية الإنسان من فقدان توازنه الداخلي.
وهنا تحديدًا يبقى للمهنة معناها الحقيقي ورسالتها الأعمق.
* كاتبة وأكاديمية بحرينية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك