ينتمي المهند الناصر إلى الجيل الجديد في الأدب السوري، أو الذي سنسميه لاحقاً: " جيل ما بعد الحرب"، إذ تشغله الأسئلة التي تشغل الإنسان المعاصر، بغض النظر عن انتمائه الوطني، مثل القلق، الهوية الفردية، الهوية الجماعية، التشظي الداخلي، الوعي، الإنسان ككائن ثقافي واجتماعي.
الناصر من الكُتّاب الذين تتقاطع في تجربتهم الكتابة السردية مع خلفية معرفية تجمع بين السينما والتحليل النفسي، ما ينعكس على طبيعة نصوصه التي تميل إلى الاشتغال على الداخل الإنساني عبر بنى سردية مفتوحة ولغة مشحونة بالتفاصيل.
وتتوزّع تجربته بين أكثر من فضاء ثقافي، وهو ما أسهم في تشكيل رؤية تتعامل مع الكتابة بوصفها مساحة للتأمل في تحوّلات الإنسان والواقع.
أصدر أعمالاً عديدة، وواصل في مشروعه السردي اختبار حدود اللغة والبناء، مع اهتمام واضح بتفكيك العلاقات الإنسانية ضمن سياقات اجتماعية معقّدة، إلى جانب عنايته بتكوين شخصيات تنطلق من عمق نفسي واضح، وتتحرك داخل عوالم تتقاطع فيها التجربة الفردية مع تحولات أوسع.
بمناسبة صدور روايته" الصرماية" التقاه ملحق سورية الجديدة، وحاوره في تجربته في الكتابة، وبناء هذا العمل، ورؤيته إلى الجماليات السردية، إلى جانب موقفه من تحولات الأدب السوري بين الداخل والمنفى، وأسئلة اللغة والهوية في الرواية المعاصرة.
اشتغلت على صوت السارد كصوت خارج من جراح طويلة ومن داخل الصدمة لا من خارجها، لذلك جاء حاداً وقلقاً ومهووساً* كيف ولدت الفكرة الأولى لروايتك الصادرة أخيراً" الصرماية"؟كنت في عام 2014 أزور عمّان حيث أقمت بضعة أشهر.
وكانت الثورة السوريّة تمر بأزمات متعدّدة وكان عدد اللاجئين مهولاً، كنت قريباً جداً منهم، إذ تعرفت إلى منظمات إنسانيّة عديدة، وتعرضت لمواقف وقصص إنسانيّة كثيرة، فخرجَت المسوّدة الأولى للرواية كغضب منبعث مما شاهدت ورأيت وسمعت، وبقيت الرواية تتطور كل عام حتى عام 2022 حين أُنجزت النسخة النهائية منها.
* يتخذ السرد في الرواية شكلاً تجريبياً متحرراً من البناء الكلاسيكي، ما الذي دفعك إلى هذا الخيار الفني؟ما دفعني إلى هذا طبيعة ما كنت أسمعه من قصص تنمّ عن تشظي الذاكرة؛ كان بعض الناس يبدأون قصصهم من المنتصف، بعضهم يخلط بين الحقيقي وغير الحقيقي وبين الماضي والحاضر، كانت الذاكرة السوريّة مهشّمة تماماً ووصل المجتمع إلى مرحلة من السوء لا ينفع معها ترتيب الأحداث أو الأولويات، فأردت أن أنقل هذه الحالة إلى نصّي الروائي.
* يظهر صوت السارد بحدة وقلق واضحين، كيف اشتغلت على تشكيل هذا الصوت؟اشتغلت على صوت السارد كصوت خارج من جراح طويلة ومن داخل الصدمة لا من خارجها، لذلك جاء حاداً وقلقاً ومهووساً، واعتمدت في تشكيله على أكثر من مستوى؛ من حيثُ الإيقاع، عبر جمل طويلة ومتشعبة تعكس التوتر نفسه في اللغة لا في الحكاية، حاولت أن تحتفظ اللغة بخشونتها، بعصبها، واعتمدت أيضاً على أن يكون السارد في حالة اشتباك دائم مع نفسه وذاكرته والمدينة والسياسة والجسد واللغة.
هذا الاشتباك هو ما أعطى ذلك القلق، بمعنى آخر، أنا لم أخترع الصوت بل حاولت إخراجه من خراب الشخصيّة وخراب العالم الذي تتحرك فيه، كنت دائماً أبحث عن صوت إذا هدأ فسيخون أيضاً حتى الرواية.
بالرغم من أنني ركزت على أن البطل كان يمكن أن يكون له الخيار أن يصبح إنساناً أفضل.
* إلى أي مدى تمكن قراءة السارد بوصفه امتداداً لتجربة شخصية أو رؤية ذاتية؟شخصيّة قصي الطرطوي بطل الرواية تعتبر تجربة شخصيّة لمعظم السوريين، فجميعنا عشنا في مرحلة كان هناك شخص فيها وضيع ومن المخابرات وبلا قيم أخلاقيّة، أما البطل نفسه فبالنسبة لي هو مجموعة كبيرة من الأشخاص الذين اضطررت للتعامل معهم في فترة مراهقتي حين كنت في سوريّة.
أما عن التجربة الذاتية فأنا لم أعش يوماً أيّاً من تجارب البطل، فخط حياتي مختلف تماماً عن خط حياته.
وقد غادرت سورية إلى أستراليا في مرحلة مبكرة من عمري هي نهاية المراهقة ولم أعد إليها إلّا من خلال زيارات قصيرة ومتقطعة.
* تحمل شخصية" همسة" كثافة إنسانية وإشكالية كبيرة، كيف تشكّلت هذه الشخصية داخل النص؟همسة هي المقابل الأنثوي لقصي، مع فارق واضح، أن همسة تعاني من ضغط إضافي، وهو ضغط أنها امرأة في المجتمع السوري الذكوري.
وبالتالي خياراتها كانت محدودة وأقل من خيارات قصي، لذلك ذهبت في التيار إلى النهايّة من دون صحوات أخلاقيّة كانت تنتاب قصي الطرطوي بين فترة وأخرى، ولكنها شعرت بالحاجة إلى الهرب من القذر، وإلى أن ينظر إليها إنسانة.
ولكن تلك النظرة لم تجدها سوى عند قصي الطرطوي الذي كان مفتوناً بها.
لم أتعامل مع الجمال والصدمة بوصفهما ضدّين، بل بوصفهما شيئين يمكن أن يخرجا من الواقع المريض نفسه* تبدو العلاقات بين الشخصيات مشبعة بالتوتر والانكسار، كيف تنظر إلى هذه البنية من العلاقات في الرواية؟أنظر إلى هذه العلاقات بوصفها امتداداً لخراب العالم في الرواية، لا مجرد توتر بين شخصيات.
في الرواية الحبّ نفسه مشوب بالخوف، والقرب مشوب بالأذى، لأن الشخصيات تتحرك داخل واقع مكسور ينعكس على كل ما بينها.
لذلك جاء الانكسار في العلاقات بنيةً أساسيةً في الرواية، لا تفصيلاً عاطفياً عابراً.
* تتضمّن الرواية مشاهد جريئة في تناول الجسد، ما حدود هذه الجرأة بالنسبة لك كاتباً؟لا أفهم الجرأة عيباً ومخازي، بل أراها امتناعاً عن الكذب.
ليس الجسد في الرواية فضيحةً وليس للإثارة الجنسية ولا لعبةً لإحراج القارئ، بل هو أول مكان تُكتب عليه الهزيمة والرغبة والإهانة.
لذلك لم أسأل نفسي: إلى أي حد أجرؤ؟ بل سألت: إلى أي حد يمكن أن أكون صادقاً؟ ما دام الجنس يخدم الحقيقة الفنية فهو في مكانه، أما حين يصير استعراضاً للممنوع فهذه ليست جرأة، بل إباحيّة لغوية.
* كيف تعاملت مع التوازن بين البعد الجمالي والوقع الصادم في بعض المقاطع؟لم أتعامل مع الجمال والصدمة بوصفهما ضدّين، بل بوصفهما شيئين يمكن أن يخرجا من الواقع المريض نفسه.
في هذه الرواية لم يكن هدفي أن أجمّل القبح، ولا أن أستعمل الصدمة كحيلة سهلة لصفع القارئ، بل أن أصل إلى لغة تستطيع أن تمنح الخراب شكله الفني من دون أن تنظّفه أو تخفف رائحته الكريهة.
الجمال بالنسبة لي ليس ترصيعاً وتنميقاً، بل دقّة في القبض على الشيء، والصدمة ليست غاية، بل أثر طبيعي حين يُقال ما نحاول عادةً الهرب منه.
* تحتل دمشق مساحة واسعة في الرواية، كيف اشتغلت على بناء هذا الحضور المكاني؟لم أتعامل مع دمشق بوصفها خلفية تقع فيها الأحداث، بل بوصفها كائناً يشارك في صنعها يضغط على الشخصيات يلوثها ويعيد تشكيل ذاكرتها ونظرتها حتى إلى نفسها، لم أكن أريد أن أظهر دمشق جميلة كبطاقة بريدية، ولا كحنين ونوستالجيا جاهزة، بل كمدينة مأهولة بالتعب والقبح وبالفتنة بالعطب وبذلك التناقض القاسي بين ما تعد به وبين ما تفعله بأبنائها، لذلك اشتغلت عليها من الشارع والرائحة والجدار والازدحام والخراب والبيوت الأسمنتية، والمخالفات، واللغة التي تتبدل من حيٍّ إلى حي ومن طبقة إلى طبقة ومن ذاكرة إلى ذاكرة.
يهمني أن يشعر القارئ بأن دمشق ليست ديكوراً بل بنيّة نفسية وروحيّة وربما ساعدني كوني قضيت في دمشق مراهقتي وبعضاً من طفولتي، فعرفت المكان تماماً كما أعرف راحة يدي.
* الأسواق الشعبية والأحياء اليومية جزءٌ أساسي من الفضاء السردي، ماذا تمثل هذه الأماكن في رؤيتك الروائية؟الأسواق الشعبيّة والحارات وسوق الحرامية جميعها انعكاس للفوضى والخراب، فهذه الأمكنة هي أحشاء المدينة نفسها.
السوق الشعبي والحي اليومي هما المكانان اللذان يُسقطان المكياج عن الوجه، وتظهر الملامح الحقيقية في تهشم الذاكرة، الخوف، الفقر، الذل، النجاة وهي تتدافع جميعها مثل بشر على باب فرن، هناك لا تعود المدينة مجرد فكرة، بل كائناً حيّاً يتعرق ويصدر الروائح ويشتم ويتعب ويتلصص، لذا فتلك الأماكن هي كعهد البطل ألّا يكذب، فهي لا تكذب لأنها تقول عن الناس ما لا تخبرنا به صالونات الفنادق الفارهة.
* هل يمكن اعتبار الرواية نوعاً من توثيق لتحوّلات اجتماعية عاشتها المدينة خلال فترة معينة؟نعم، الرواية هي سرد تاريخي حقيقي وتسجيل وثائقي لمرحلة حافظ الأسد وبشار من بعده ولمرحلة حكم البعث، حاولت أن أضمن الرواية جميع ما يمكنني من أحداث قد تضيع إذا ما تغيّر السرد التاريخي لتلك الحقبة القذرة.
على الرغم من أني أكتب من كندا إلّا أنني أجد ارتباطاً عضوياً وحقيقياً مع قضايا سورية والمجتمع السوري وما يعانيه الداخل السوري اليوم* تمزج اللغة في الرواية بين الفصحى والتعبير اليومي، كيف تفسّر هذا الاختيار الأسلوبي؟شخصيّة الراوي أو البطل متعددة الجوانب، فهو كاتب لصفحة الجرائم، وهو أيضاً كاتب للعمود الثقافي، وهو كاتب تقارير رفيع، وفي النهايّة هو ابن مجتمعٍ مهشّم، لذا حرصت في الرواية على أن تكون طريقته السرديّة تعبر عنه كاتب صفحات جرائد، ومثقفاً من الذين يقرأون المعلومات من الصحف فتكون سطحيّةً في أغلبها من دون المساس بالعمق الحقيقي، وكذلك في لحظات كثيرة يظهر ابن الشارع فيتحدّث ويتخلى عن أسلوبه الجرائدي متحولاً إلى مجرد بائع غير متعلم في سوق الهال.
* تحضر السخرية بشكل لافت في النص، كيف ترى دورها في تفكيك الواقع داخل الرواية؟ليست السخرية السوداء للإضحاك، بل هي الحد الثاني لسكين الواقع في الرواية، فمن شدّة تعفن ذلك الواقع لا يكفي أن تبكيه أو تصفه، بل يجب أن تسخر منه كي تسحب عنه آخر خرقة كان يتغطّى بها.
أنا لا أستعمل السخرية لأخفف المأساة، بل لأفضحها، لأريك كم صار الخراب طبيعياً إلى درجة أننا نحتاج إلى قهقهة سوداء كي ننتبه إلى بشاعته.
في النص، السخرية ليست عكس الألم، بل هي الألم حين يفقد صبره على الوقار.
* يعتمد النصّ على تفاصيل يومية دقيقة، كيف تختار هذه التفاصيل، وما دورها في بناء المعنى؟التفاصيل اليومية عندي ليست فتاتاً أضعه على الطاولة كي تبدو الرواية مأهولة، بل هي اللحم نفسه.
أنا لا أثق كثيراً بالأفكار الكبيرة حين تمشي وحدها بلا رائحة ولا عرق ولا اتساخ.
ما يهمني هو تفصيل صغير يفضح العالم: نعل مقلوب، قميص له رائحة نوم قديم، شتيمة نصف مكتملة، صحنٌ بارد، أو نظرة تمرّ كأنها لا شيء فيما هي كل شيء.
أختار التفصيل الذي يجرح، لا الذي يجمِّل، الذي يفتح في المشهد حفرةً يدخل منها المعنى.
* هل تنظر إلى الرواية بوصفها عملاً أدبياً خالصاً أم مساحة لطرح أسئلة إنسانية أوسع؟لا أحب هذا الفصل المريح بين" الأدبي الخالص" و" الإنساني الأوسع"، كأن الأدب صالونٌ ثقافي، والإنسان شيءٌ آخر يُترك خارج الباب.
الرواية عندي عملٌ أدبي نعم، لكنها إذا لم تحفر في فكر الإنسان وخوفه ورغبته وذلّه وخرابه، فما قيمتها غير أن تكون ألعاباً لغويةً؟ وفي المقابل، إذا تحولت إلى خطبةٍ متنكرة في هيئة رواية فهي تخون الأدب أيضاً.
ما أريده هو نصٌّ يظلّ وفياً لفنّه، لكن هذا الفنّ نفسه يكون أداةً لفتح الأسئلة الإنسانية الأعمق، لا للهروب منها.
* كيف تنظر إلى حضور الأدب السوري في المنفى اليوم، وهل يمكن الحديث عن ملامح خاصة لهذا الأدب من حيث الموضوعات والأساليب؟إذا أردت أن أتحدث عن موقعي هنا في كندا فأنا لا أجد حضوراً حقيقياً لأي نوع من أنواع الأدب السوري، وهذا أمر يدعو إلى الأسف الشديد، وإن وجد، فحقيقة إمكانات إيصال ذلك الحضور إلى المجتمع الكندي أو حتى المجتمع السوري في كندا هو أمر شبه مستحيل، بسبب قلة الأحداث الثقافية والمعارض الأدبية وغيرها.
* هل ترى إمكانية تقسيم الأدب السوري إلى أدب داخل وأدب خارج، أم إن التجربة الأدبية تتجاوز هذا التصنيف؟تجاوزت تجربتي الشخصيّة هذا التصنيف، فعلى الرغم من أني أكتب من كندا إلّا أنني أجد ارتباطاً عضوياً وحقيقياً مع قضايا سورية والمجتمع السوري وما يعانيه الداخل السوري اليوم، نعم أقوم بكتابة رواية تدور أحداثها كاملة في كندا، غير أن أبطالها هم من رحمِ الواقع السوري.
* إلى أي حد يؤثر المنفى في تشكيل اللغة والرؤية السردية لدى الكاتب السوري؟يؤثر المنفى في الكاتب السوري بعمق، لأنه لا يغيّر مكانه فقط، بل يغيّر علاقته باللغة والذاكرة والزمن.
في المنفى تصبح اللغة مشدودة بين ما تحتفظ به الذاكرة من تفاصيل الوطن، وبين المسافة التي تفرض إعادة النظر إلى كل شيء.
* بعد" الصرماية"، ما ملامح المشروع الروائي المقبل، وهل يتجه نحو المسار نفسه أم نحو تجربة مختلفة؟التجربة المقبلة مختلفة تماماً.
هي أقرب إلى البوح الإنساني لإنسان يعيش في المنفى، ولكن هذا لا يعني أنّه لن يكون هناك جزء ثانٍ للصرماية أعمل عليه، خصوصاً أن الشخصيّة يمكن أن تظهر وتستمر في جميع العصور فقابليتها للتأقلم والتكيّف هي ما يجعلها تمتدّ وتستمرّ بل وتزدهر أكثر، فلربما نرى أن قصي الطرطوي قد" كوّع" في الجزء الثاني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك