الأمم المتحدة، حذرت الأمم المتحدة من تدهور الأوضاع الإنسانية في لبنان جراء الخروقات الإسرائيلية المتواصلة لاتفاق وقف إطلاق النار - المفترض دخوله حيز التنفيذ في 17 إبريل 2026- في إشارة إلى اتجاه التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان نحو مرحلة أكثر خطورة، مع تزايد الغارات الإسرائيلية وسقوط ضحايا مدنيين، في وقت تحاول فيه بيروت انتزاع مسار تفاوضي يوقف الحرب ويعيد تثبيت السيادة اللبنانية عبر بوابة الجولة الثالثة من المفاوضات الإسرائيلية الأمريكية المقرر انطلاقها بعد غد الخميس برعاية أمريكية.
ما هي الأوضاع الكارثية التي يواجهها لبنان؟يواجه لبنان إحدى أخطر الأزمات الإنسانية في تاريخه المعاصر، مع تصاعد موجات النزوح الداخلي الناتجة عن الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة؛ حيث أجبرت الغارات المكثفة مئات آلاف اللبنانيين على مغادرة منازلهم في جنوب البلاد وشرقها، إضافة إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، في مشهد يعكس واقعا إنسانيا متدهورا يزداد تعقيدا يوما بعد يوم في ظل الأزمة الاقتصادية التي تعيشها لبنان منذ عام 2019.
وتشير تقديرات رسمية إلى أن عدد النازحين تجاوز 1.
2 مليون شخص، أي ما يقارب 20% من سكان البلاد، في حين لا تزال الاستجابة الدولية دون المستوى المطلوب، رغم نداءات الأمم المتحدة لتأمين مئات ملايين الدولارات لتلبية الاحتياجات الأساسية؛ ما دفع الأمم المتحدة لإطلاق نداء استغاثة في مارس الماضي لتوفير 308 مليون دولار لمدة ثلاثة أشهر (مارس، أبريل، مايو)، لدعم الحكومة اللبنانية في تأمين الاحتياجات الإنسانية للنازحين داخل مراكز الإيواء وخارجها، إلا أن هذا النداء لم يؤمّن سوى 120 مليون دولار.
وتحولت أكثر من 677 مدرسة ومؤسسة تعليمية وجامعية إلى مراكز إيواء، تضم أكثر من 137 ألف نازح، يعيشون في ظروف صعبة، في وقت تعجز فيه الحكومة اللبنانية والجهات الدولية المانحة عن تلبية كل احتياجاتهم الإنسانية بسبب تفاقم حدة النزوح.
وبحسب أحدث التقديرات الصادرة عن التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، تقدر هيئة الأمم المتحدة للمرأة أن نحو 144 ألف امرأة وفتاة إضافية لبنانية سيواجهن مستوى الأزمة الغذائية الحادة أو أشد منها خلال الأشهر المقبلة ليرتفع الإجمالي إلى حوالي 639 ألف امرأة وفتاة؛ فيما قتلت 25 امرأة لبنانية وأصيبت 109 أخريات في لبنان خلال الأسابيع الثلاثة الماضية جراء القصف الإسرائيلي المتواصل للأراضي اللبنانية.
ماذا يريد عون من المحادثات؟يطرح الرئيس اللبناني جوزيف عون شروطا واضحة لأي تسوية مع إسرائيل، داعيا المجتمع الدولي إلى الضغط على إسرائيل لوقف عملياتها العسكرية في جنوب لبنان.
وتشير التقارير إلى أن عون وضع خمسة شروط رئيسية للتفاوض مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي خلال الجولة التي تنطلق الخميس وهي: وقف العدوان الإسرائيلي الشامل على لبنان برا وبحرا وجوا، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة، والإفراج عن الأسرى والمعتقلين اللبنانيين، وعودة الأهالي إلى كل قراهم وبلداتهم، وإعادة الإعمار مع إلزام إسرائيل بدفع تعويضات عن الأضرار التي سببها العدوان الإسرائيلي على الأراضي اللبنانية.
ويشدد عون على أن الالتزام الإسرائيلي بالانسحاب سيفتح الباب أمام تعزيز أوراق القوة في ملف حصرية السلاح، وإطلاق نقاش جدي مع حزب الله حول مستقبل سلاحه ضمن جدول زمني متدرج ومتزامن مع تنفيذ الالتزامات الإسرائيلية.
في المقابل، يتمسك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، المططلوب مثوله أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، باستراتيجية" التفاوض تحت النار"، ساعيا إلى توظيف الجبهة اللبنانية كورقة ضغط في المواجهة الأوسع مع إيران، وكمسار لإعادة تشكيل موازين القوى داخل لبنان نفسه.
وتبدو المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية بالنسبة لنتنياهو مجرد استنزاف للوقت؛ حيث يصر على أن يشمل أي اتفاق أمريكي إيراني بندا صريحا يمنع طهران من تسليح أو تمويل حزب الله باعتباره أحد أقوى أذرع إيران الإقليمية.
وفي تصريحات أخيرة، قال نتنياهو: إن الحرب مع" حزب الله" اللبنانية ينبغي أن تستمر حتى لو انتهت مع إيران، وما تود إيران فعله هو أن تقول إذا توصلنا إلى وقف لإطلاق النار هنا، فإننا نريد وقفا لإطلاق النار في لبنان أيضا.
وبحسب خبراء، فإن نتنياهو يرى في الورقة اللبنانية مدخلا رئيسيا لأمرين أساسيين؛ أولهما ضمان بقائه في السلطة بعدما خرج خالي الوفاض في ملف الحرب الإيرانية، وهو ما أثر سلبا على فرصه في الفوز بالانتخابات الإسرائيلية المقرر إجراؤها في أكتوبر 2026.
أما الأمر الثاني، فيتمثل في سعي نتنياهو لخلق مشكلة داخلية لبنانية بين حزب الله من جهة والدولة اللبنانية من جهة أخرى، خصوصا عندما يصر نتنياهو على التفاوض تحت النار.
وبحسب تقرير نشرته جريدة" هآرتس" الإسرائيلية، فإن عمليات جيش الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان تشبه إلى حد كبير عملياته في قطاع غزة عام، معتمدا استراتيجية التدمير الممنهج.
ترمي الدولة اللبنانية بثقلها خلف التدخل الأمريكي باعتباره مدخلا أساسيا لإجبار إسرائيل على وقف إطلاق النار، وترى بيروت أن تثبيت الهدنة ووقف الغارات الإسرائيلية يمثلان الخطوة الأولى نحو مفاوضات مباشرة تتعلق بترسيم الحدود الدولية، وإنهاء الوجود الإسرائيلي في الأراضي اللبنانية، وتهيئة الظروف لاستقرار أمني طويل الأمد.
لكن ملف سلاح حزب الله يبقى العقدة الأكثر تعقيدا في أي حل مرتقب؛ إذ تضغط أطراف دولية وعربية لإدراج مسألة نزع سلاح الحزب أو إبعاده عن المناطق الحدودية ضمن أي اتفاق شامل.
في المقابل، يعتبر" الثنائي الشيعي"، المتمثل في حزب الله وحركة أمل بقيادة رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري، أن هذا الشرط يمس جوهر توازنات القوة الداخلية، ما يجعله أحد أكبر التحديات أمام إنجاح أي تسوية سياسية.
ويؤكد بري رفضه القاطع لإجراء أي مفاوضات مع إسرائيل قبل الوقف الشامل للعدوان والحرب المستعرة في جنوب لبنان؛ ويتمسك بري، الحليف الوثيق لحزب الله، بضرورة وقف إطلاق النار الفعلي كشرط مسبق لأي تحرك سياسي، رافضا" الورقة الأمريكية" الهادفة لنزع سلاح حزب الله.
وفي حال تعثر المفاوضات، ترجح التقديرات استمرار التصعيد الإسرائيلي، بحيث تواصل إسرائيل تنفيذ ضربات – ربما تكون محدودة - على مناطق مثل الضاحية الجنوبية والجنوب اللبناني، مع بقاء خطر الانفجار الشامل قائما في أي لحظة.
ويعني ذلك دخول لبنان في حالة استنزاف طويلة الأمد، تترافق مع دمار متواصل للبنية التحتية وتفاقم الضغوط الاقتصادية والإنسانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك