عنوان مقالي ذا منتزع من سياق نثري كتبه الشاعر/القصاص، كمفتتح ديوانه «تجرحني بخفة وتعلو»، وهذا الانتزاع ناتج عن لفت النظر إلى مسألة تبدو كهوية يرفعها جمال القصاص خلال السنين الطويلة لكتابته الشعر؛ هوية أنه سبعيني الهوى، وبطاقة هوية ذلك مشاركته في تأسيس ما عُرف بجماعة «إضاءة 1977م»، الجماعة التي أصدرت ديوانه الأول «خصام الوردة» 1984م، حين كان في منتصف ثلاثينيات العمر.
ومن الناحية التأريخية، واضح ارتباط الشاعر/القصاص بهذه الجماعة الصغيرة من زملاء شعراء هم أيضًا، لكن اللافت أكثر لقارئ ديوانه الأخير، وأيضًا القارئ لعنوان مقالي، ملاحظة جملة ثانية استدراكية: «لكن لي غرامي الخاص».
قلت: إن ديوانه الأخير، وحتى ما قبله، يؤكد استدراك القصاص/الشاعر بأنه، في الجماعة، الطائر خارج السرب.
وقد كنت كتبت دراسة حول الشاعر تناولت دواوينه السابقة، أشرت فيها إلى أنها كما لو كانت ديوانًا واحدًا، حيث كأن جمال القصاص يتناص مع جمال القصاص: «كن لص نفسك»، وأنه، وهو يخاطب الشعر: «تجرحني بخفة وتعلو»، يقف على أعتاب السبعينيات، ليراجع القصاص الشاعر، فيؤكد أنه سبعيني الهوى، مؤكدًا أن له غرامًا خاصًا.
السؤال ما أحمله نفسي: هل يشيخ الشاعر؟ هل الزمن يفعل في الشعر فعله في دن الخمر؟كنا معتادين على أن نأتي القصيدة، أي ديوان الشعر، من بين دفتيه، نستنطق القصيدة، وكنت على خصام مع تأويل القصيدة، حيث لكل قارئ قراءة.
هذه المرة سأقلب الكأس، فآتيه سكرانَ بسؤالي: هل الخفة التي تجرح القصاص وتعلو، هي بالإضافة إلى جمال الشعرية، جمالية الزمان؟ بوضوح مخل: هل للزمان يد تجعل من «تجرحني بخفة وتعلو» الصادر 2025م، خصيمًا شعريًا لـ«خصام الوردة» الصادر سنة 1984م؟في سفر الديوان نثر مفتتح، ثمة أطروحة، كما بيان القصاص حول الشاعر السبعيني الهوى، فيه ما فيه من تأمل الشيخ السبعيني للسحابة التي في المرآة: «.
وما زلت أكبر، ما زلت أصغر، أتعجب لرجل اسمه جمال القصاص يبني مجده بسطرين من الشعر، ولا يعرف كيف يضعهما فوق الرف! أكثر من خمسين عامًا وأنا في هذا الطريق، أبحث عن الشر العاقل، عن فراغ يشبهني.
»، وفي هذا ما يشبه الجواب؛ أن القصاص، وإن تناص مع نفسه، فهو خصيمها، لكن الديوان الأخير لا يجب ما قبله، أو كما حدث فقال: «أبحث عن عقل يرفض أن يكون صدى لأشياء بائدة، عن لغة لا تخجل حين تصغي إلى عريها».
لعل القارئ الحصيف لاحظ أني متأمل لـ«تجرحني بخفة وتعلو»، كما القصاص في المفتتح، وأني ألعب بالمفارقة بين الهوى السبعيني للشاعر والشاعر في السبعين.
مفارقة أن يفصح مؤكدًا عن هواه كشاعر من جيل السبعينيات، وأن فصاحته هذه تأتي وهو في سبعينيات العمر.
ومن الواضح أن المسألتين مقتلعتان من خارج القصيدة كظاهر، لكنهما جوانيتان كجوانية الروح، روح الشاعر، من في غلاف ديوانه الأخير فاتحة:هل هذا إخبار فاجع، أن الشاعر/القصاص يبكي لأنه أغلق الكتاب/الشعر؟ السؤال: هل للشعر ختام مسك، وللشاعر أن يتقاعد؟ أو كما في الجمل الأخيرة من الكتاب، نص:«كل هذه الأحلام تحت إبطك: أخيرًاتمت السيطرة على جمال القصاصاطمئنوا.
لا حرائق في البيتوأعيد ما كتبت قبل، مؤكدًا: «أن نصوص جمال القصاص تُنبئ به، بل تشي بمكنونه، فالشاعر مثل رب عمل يقسو على نفسه، كمثقف عضوي ينغمس في الحراك الثقافي، وفي التجربة الشعرية على قطيعة مع أجوائها.
هناك جمال القصاص مفرد بصيغة الجمع؛ فهو الشاعر في كل الوقت، بينما الشعر عند غيره مناسبة ما أو فكرة، أما هو فالشعر أكسجين حياة، والدم في الأوردة».
ـ جمال القصاص ولد في 5 ديسمبر 1955م بمحافظة كفر الشيخ - بمصر.
درس الفلسفة، وتخرج في كلية الآداب، جامعة عين شمس، عام 1980م، ثم عمل بالصحافة.
ـ في عام 1977م أسس، مع زملائه الشعراء: حلمي سالم، حسن طلب، رفعت سلام، جماعة «إضاءة» الشعرية، ومجلتها «إضاءة 77».
ـ جمال القصاص، «تجرحني بخفة وتعلو»، الطبعة الأولى 2025م، منشورات بتانة، القاهرة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك