تواجه وسائل الإعلام الرسمية في المجر واحدة من أكثر لحظاتها اضطراباً منذ عقود، مع اقتراب تسلم رئيس الوزراء الجديد بيتر ماجار السلطة رسمياً، بعد إنهاء 16 عاماً من حكم رئيس الوزراء المجري السابق أوربان.
وفي تقرير نشرته صحيفة الغارديان (The Guardian) البريطانية كشفت أن المخاوف تتصاعد داخل المؤسسات الإعلامية الحكومية، بعدما تعهد ماجار خلال حملته الانتخابية بإجراء تغييرات جذرية في بنية الإعلام الرسمي، الذي وصفه بأنه" مصنع أكاذيب" استخدم لسنوات في الترويج للحكومة وتشويه خصومها السياسيين.
ونقل التقرير عن موظفين في وسائل الإعلام الرسمية قولهم إن حالة من القلق وعدم اليقين تسود غرف الأخبار، وسط تساؤلات حول مدى التغييرات المرتقبة، وما إذا كانت ستصل إلى إغلاق مؤسسات إعلامية أو إعادة هيكلتها بالكامل.
وبحسب التقرير، فإن حكومة أوربان أعادت منذ عام 2010 تشكيل المشهد الإعلامي في البلاد بصورة واسعة، عبر إحكام السيطرة على وسائل الإعلام الرسمية والخاصة الموالية للحكومة، وهو ما أدى إلى تراجع تصنيف المجر في مؤشرات حرية الصحافة الدولية، وخلق ما وصفه معارضون بـ" الواقع الموازي" داخل قطاعات من المجتمع المجري.
وأشار التقرير إلى أن ماجار سبق أن قال في مقابلة مع وكالة أسوشيتد برس إن من الصعب على الأوروبيين أو الأمريكيين تخيل حجم الدعاية السياسية في المجر، معتبراً أن قطاعات من المواطنين أصبحت تعيش داخل نسخة سياسية من برنامج" ترومان شو"، في إشارة إلى حالة العزل الإعلامي التي صنعتها الحكومة السابقة.
وأضاف التقرير أن ماجار، الذي تعرض خلال حملته لهجمات مكثفة من الإعلام الرسمي ووصف بأنه" دمية لبروكسل" و" خائن"، تعهد بتعليق عمل الإعلام الحكومي مؤقتاً، إلى حين إقرار قانون جديد للصحافة وإنشاء هيئة إعلامية مستقلة تعيد تنظيم القطاع.
ونقل تقرير الغارديان عن أستاذ القانون وسياسات الإعلام في جامعة إيوتفوش لوراند في بودابست، غابور بولياك، قوله إن البلاد تواجه" أفضل فرصة في تاريخها" لإعادة بناء نظام إعلامي أكثر استقلالية، بعد سنوات من الهيمنة السياسية.
وأوضح بولياك أن نحو 80% من القطاع الإعلامي في المجر أصبح خلال حكم أوربان تحت سيطرة شخصيات ومؤسسات موالية لحزب" فيدس"، سواء عبر الإعلام الرسمي أو الشركات الإعلامية الخاصة التي استفادت من الإعلانات والدعم الحكومي.
وفي المقابل، أضاف التقرير أن وسائل الإعلام المستقلة عانت لسنوات من ضغوط مالية وسياسية، شملت حملات تشويه وعقبات بيروقراطية متواصلة، لكنها رغم ذلك تمكنت خلال الفترة الأخيرة من كشف ملفات فساد ومحسوبية أضعفت صورة الحكومة السابقة.
وأشار التقرير إلى أن هذه التغطيات الاستقصائية ساهمت في تعزيز حضور ماجار السياسي، بعدما استخدم كثيراً من هذه التقارير خلال جولاته الانتخابية في مئات المدن والقرى، للوصول إلى جمهور اعتاد متابعة وسائل إعلام موالية للحكومة فقط.
ولفت التقرير إلى أن نتائج الانتخابات كشفت أيضاً عن وجود رغبة بالتغيير داخل المؤسسات الرسمية نفسها، بعدما وقع أكثر من 90 صحفياً من وكالة الأنباء الحكومية" إم تي آي" رسالة تطالب باستعادة" الاستقلالية التحريرية".
ونقل التقرير عن الصحفية السابقة في الإعلام الرسمي، كريستينا بالوغ، قولها إن الإعلام الحكومي في عهد أوربان" لم يكن معنياً بإبلاغ الناس بالحقيقة، بل ببناء روايات سياسية محددة"، مشيرة إلى أن المحررين كانوا يتلقون تعليمات مباشرة باستخدام كلمات ومصطلحات بعينها في التغطيات الإخبارية.
وأضافت أن الخطاب الإعلامي اعتمد بصورة كبيرة على إثارة الخوف والشك والكراهية، معتبرة أن سنوات الدعاية السياسية تركت" صدمة جماعية" داخل المجتمع المجري، ستحتاج إلى وقت طويل لمعالجتها.
التجربة المجرية باتت تمثل نموذجاً عالمياً للتحذير من مخاطر تحويل الإعلام إلى أداة سياسية، وسط تساؤلات حول قدرة الحكومة الجديدة على إعادة بناء الثقة بين الجمهور ووسائل الإعلام، وإحياء الطلب المجتمعي على الصحافة المستقلة والحقيقة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك