عمان - منذ عقود ممتدة، ظل الفنان عمر العبداللات أحد أبرز الأصوات الأردنية التي تشكلت عبرها ملامح الأغنية الوطنية والفلكلورية، وصار صوته بمثابة جسرٍ فني يعبر من خلاله وجدان المكان إلى فضاء الأغنية.
لم يكن حضوره يومًا مجرد أداء غنائي، بل كان استحضارًا حيا لذاكرة جمعية تتجسد في إيقاع الدبكة، وعبق البادية، ودفء القرى، ونبض المدن، وأهازيج الفرح التي تشكلت عبر الزمن لتصبح جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية الأردنية.
اضافة اعلانوعلى امتداد تجربته الفنية، رسخ العبداللات حضوره بوصفه فنانًا انحاز بوعي واضح إلى الجذور، فحافظ على لهجته المحلية، واستنطق التراث الغنائي الأردني بروحٍ معاصرة دون أن يجرده من أصالته، بل أعاد صياغته ضمن قوالب فنية قادرة على العبور إلى الجمهور العربي، مع الحفاظ على نكهته الأولى.
وهكذا تحول الفلكلور في أعماله من مادة تراثية ساكنة إلى كيان حيّ نابض، يتفاعل مع الحاضر دون أن ينفصل عن الماضي، ليغدو صوته جزءًا من الذاكرة الوطنية في المناسبات العامة، والمهرجانات والاحتفالات الكبرى.
وفي امتداد طبيعي لهذه المسيرة، يتأهب العبداللات لافتتاح مهرجان جرش للثقافة والفنون Jerash Festival for Culture and Arts، في ليلة تحمل طابعًا احتفاليًا مشبعًا بالدلالات الرمزية، حيث تتقاطع فيها الفنيات مع التاريخ، ويستعيد المسرح نبضه كمساحة جامعة للهوية والذاكرة.
ويأتي هذا الافتتاح ليؤكد أن الأغنية الأردنية ما تزال تمتلك قدرتها على الحضور والتجدد متى ما وجدت من يحملها بإخلاص ووعي ومسؤولية فنية.
وقال العبداللات: " إن جرش بالنسبة له ليست مجرد محطة غنائية عابرة، بل فضاءٌ وجداني متراكم، تتكثف فيه طبقات الذاكرة الوطنية، وتتعانق فيه الأصوات مع التاريخ والحضارة، مضيفًا: " حين أقف على مسرح جرش، أشعر أنني أقف أمام سردية وطن كاملة، بكل ما فيها من تفاصيل الحياة وصدق الناس وبساطتهم.
هذا المكان ليس منصة للغناء فقط، بل مساحة تتكلم فيها الذاكرة".
وأكد أن مشاركته في الافتتاح تحمل بعدًا يتجاوز الأداء الفني، لتلامس معنى الانتماء والهوية، موضحًا أن الأغنية في هذا السياق تتحول إلى خطاب ثقافي يحمل رسائل وجدانية واجتماعية، ويعيد وصل ما انقطع بين الأجيال وتراثها.
وأضاف: " ما سأقدمه ليس مجرد برنامج غنائي، بل محاولة لاستعادة الأردن بصوته الحقيقي؛ بتفاصيله البسيطة وبموروثه الغني وبروحه التي لا تشبه سواه.
الأغنية بالنسبة لي ليست ترفًا فنيًا، بل وثيقة حياة وذاكرة مجتمع".
ويرى أن المشاركة في مهرجان جرش تمثل فرصة لإعادة تقديم صورة متكاملة عن الأغنية الأردنية، من خلال مزيج مدروس يجمع بين اللون الوطني والفلكلور والدبكة والسامر والأهازيج الشعبية، حيث تتشكل لوحة سمعية وبصرية تعكس التنوع الثقافي للمشهد الأردني.
وفي سياق رؤيته الفنية، يولي العبداللات اهتمامًا متزايدًا بـالأغنية المصوّرة، معتبرًا أنها لم تعد مجرد عنصر مكمّل للأغنية، بل أصبحت بنية فنية متكاملة، تتداخل فيها الصورة مع الموسيقا لتشكيل خطاب بصري قادر على التأثير والتوثيق في آن واحد.
وقال: " الصورة اليوم لم تعد زخرفًا بصريًا، بل لغة موازية للأغنية.
عندما نصنع عملًا مصورًا، فنحن لا نضيف مشاهد، بل نبني ذاكرة بصرية كاملة".
ويشير إلى أن أعماله المصورة المقبلة ستتجه نحو استحضار الجغرافيا الأردنية بكل تنوعها، من اتساع البادية إلى تدرجات الجبال والقرى والأسواق الشعبية، حيث تتحول البيئة المحلية إلى عنصر سردي داخل العمل الفني.
كما أكد أن الهدف هو ترسيخ الوعي الجيلي بالهوية عبر إعادة وصل الشباب بجذورهم الثقافية، مضيفًا: " الأغنية المصورة يمكن أن تتحول إلى أرشيف حي للذاكرة الوطنية إذا صنعت بصدق ووعي".
ويشدد على أن تطوير الأغنية الأردنية لا يعني الانفصال عن موروثها، بل إعادة تقديمه ضمن رؤية معاصرة تحافظ على جوهره وتمنحه حياة جديدة.
وفي ختام حديثه، يؤكد العبداللات أن الفن التزام ثقافي ومسؤولية تجاه الذاكرة الجمعية، وأن كل عمل يقدمه يجب أن يحمل أثر المكان وروح الإنسان وصدق التجربة.
وفي هذا السياق، قال الموزع الموسيقي محمد القيسي" إن حضور العبداللات في افتتاح جرش يمنح المهرجان قيمة فنية مضاعفة"، مضيفًا أن تجربته" تمثل نموذجًا نادرًا في الحفاظ على الهوية الموسيقية الأردنية مع تطويرها وتقديمها بروح حديثة تصل إلى الجمهور العربي بسهولة وعمق".
ويرى القيسي، أن العبداللات استطاع أن يوازن بين الأصالة والتجديد دون أن يفقد هويته، ما جعله أحد أبرز الأصوات القادرة على تمثيل الأغنية الأردنية في محافلها الكبرى.
وفي كل ظهور له على مسارح الوطن، يعود العبداللات كصوت مشبع بالانتماء، يحمل في طبقاته ملامح الأرض وذاكرة الناس وإيقاع الحياة اليومية، ليؤكد أن الأغنية التي تولد من القلب تبقى حية في وجدان الأجيال مهما تبدلت الأزمنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك