في الوقت الذي أثار فيه تفشي فيروس هانتا على متن سفينة الرحلات البحرية" إم في هونديوس" قلقًا دوليًا، تعود إلى الواجهة واحدة من أكثر الكوارث الصحية رعبًا في الأرجنتين، حين تحولت قرية صغيرة في باتاغونيا إلى بؤرة قاتلة للفيروس قبل سنوات قليلة.
السفينة التي أبحرت مطلع أبريل/ نيسان من الأرجنتين عبر المحيط الأطلسي، أصبحت محور متابعة صحية عالمية بعد تسجيل وفيات وإصابات بين ركابها، ما أعاد التذكير بالتفشي الدموي الذي شهدته قرية" إيبوين" عام 2018، والذي اعتُبر من أخطر حالات انتقال فيروس هانتا بين البشر.
حفل عيد ميلاد أشعل الكارثةبدأت المأساة في نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، عندما حضر نحو 100 شخص حفل عيد ميلاد في قرية إيبوين الواقعة في منطقة باتاغونيا جنوب الأرجنتين.
لكن الحفل تحول لاحقًا إلى نقطة انطلاق كارثية لتفشي فيروس هانتا، بعدما نقل أحد الحضور العدوى إلى أشخاص كانوا يجلسون بالقرب منه، وفق تقرير نشرته مجلة" نيو إنغلاند الطبية".
وأدى ذلك إلى سلسلة متلاحقة من الإصابات، انتهت بتسجيل 34 حالة مؤكدة ووفاة 11 شخصًا خلال أشهر قليلة.
ومن بين القصص الأكثر مأساوية، كانت قصة مايلين فالي، البالغة من العمر 33 عامًا، والتي فقدت والدها وشقيقتيها بسبب الفيروس.
وقالت فالي إن والدها كان يجلس على الطاولة نفسها مع الشخص المصاب خلال الحفل، قبل أن تنتقل العدوى إلى عدد من الجالسين، ليفارق بعضهم الحياة لاحقًا.
المأساة لم تتوقف عند هذا الحد، إذ أُصيبت فالي وشقيقتاها بالفيروس خلال جنازة والدهن، وتوفيت إحدى الشقيقتين بعد ساعات فقط من ظهور الأعراض، بينما دُفنت الأخرى دون مراسم عزاء.
وقالت وهي تستعيد اللحظات المؤلمة: " لم يكن أحد مستعدًا لرؤية مائدة العائلة فارغة خلال أيام قليلة".
كما فقدت إيزابيل دياز والدتها بسبب التفشي، بعدما انتقلت العدوى إليها من زوجها فيكتور دياز، الذي تم التعرف عليه لاحقًا باعتباره" المريض صفر".
وروت إيزابيل أن عائلتها تعرضت للتمييز الاجتماعي بعد انتشار المرض، مؤكدة أن والدها لم يكن مسؤولًا عن نقل العدوى عمدًا.
أما فيكتور، فتحدث عن الأعراض القاسية التي عانى منها، موضحًا أنه شعر بضعف شديد وفقدان للشهية، قبل أن تظهر بقع أرجوانية على وجهه ويفقد الوعي لاحقًا.
يُعرف فيروس هانتا بأنه مرض نادر لكنه خطير، وينتقل غالبًا عبر التعرض لبول أو لعاب أو فضلات القوارض، خصوصًا الفئران.
ورغم أن انتقاله بين البشر يُعد أمرًا نادرًا، فإن تفشي الأرجنتين شكّل حالة استثنائية، إذ أكد الخبراء أن العدوى انتقلت عبر الاحتكاك المباشر والمطول وتبادل قطرات اللعاب الكبيرة بين المصابين والمخالطين.
ويؤكد مختصون أن الفيروس لا ينتشر بسهولة مثل فيروس كورونا، ما يجعل احتمالات تحوله إلى جائحة عالمية منخفضة للغاية.
وبعد تأكيد أول 18 إصابة، فرضت السلطات الصحية الأرجنتينية إجراءات حجر صحي وعزل صارمة على المصابين والمخالطين.
وشملت التدابير مراقبة المخالطين، وفرض العزل الذاتي، بالإضافة إلى حملات توعية مكثفة داخل المنطقة المتضررة.
كما بدأ السكان باتخاذ إجراءات وقائية يومية، مثل تهوية الحظائر باستمرار وتنظيفها بالمبيض، للحد من فرص انتشار الفيروس عبر القوارض.
وذكرت مجلة" نيو إنغلاند الطبية" أن هذه الإجراءات ساهمت بشكل كبير في خفض معدلات العدوى إلى النصف بعد بدء تطبيق العزل.
دروس من الماضي لمواجهة تفشي السفينةالتجربة الأرجنتينية أصبحت اليوم مرجعًا للسلطات الصحية الأميركية في التعامل مع تفشي فيروس هانتا على متن سفينة" إم في هونديوس".
وقال الدكتور جاي بهاتاشاريا، القائم بأعمال مدير مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، إن المسؤولين الأميركيين يدرسون البروتوكولات التي استُخدمت في الأرجنتين لاحتواء التفشي الحالي.
وأكد أن الولايات المتحدة قادرة على التعامل مع الركاب المصابين أو المشتبه بإصابتهم دون خطر حدوث انتشار واسع داخل البلاد.
وحتى الآن، توفي ثلاثة من ركاب السفينة البالغ عددهم 147 شخصًا، بينما يخضع بقية الركاب لمراقبة صحية دقيقة بعد إعادتهم إلى بلدانهم ضمن جهود دولية منسقة.
ومن بين 17 أميركيًا كانوا على متن السفينة، يخضع 15 منهم للحجر الصحي ومراقبة الأعراض في مركز بولاية نبراسكا، في حين نُقل مصابان إلى مستشفى جامعة إيموري في أتلانتا لتلقي العلاج.
ورغم المخاوف المثارة، شدد مسؤولو الصحة الأميركيون على أن خطر تحول التفشي الحالي إلى جائحة عالمية يبقى منخفضًا، مؤكدين أن فيروس هانتا يختلف جذريًا عن فيروس كوفيد-19 من حيث سرعة الانتشار وطبيعة العدوى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك