من الظواهر التي رافقت الحرب الإسرائيلية والأميركية على إيران التي استمرت 40 يوماً، انخفاض معدلات الطلاق.
وتشهد قصص على هذا الواقع، لكن محللين يعتبرون أن تأثير الحرب على حياة الأسر لا يمكن أن يظهر في وقت قريب، بل على المديين المتوسط والبعيد، إذ يتوقعون أن تؤدي الضغوط الاقتصادية إلى تراجع المستوى المعيشي.
كانت شقة سارة وعلي الصغيرة في شارع آزادي (الحرية)، بقلب العاصمة طهران، قبل بداية العدوان الأميركي - الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير/ شباط الماضي، ساحة لمعركة ساخنة طوال أشهر جعلتهما لا يتحدثان بعضهما إلى بعض بعد ثلاث سنوات من بدء حياتهما المشتركة.
وهما كانا ينويان الطلاق والذهاب إلى المحكمة بعد أيام قليلة من الحرب، ثم تغيّر كل شيء.
قبل الحرب عاش الزوجان كغريبين تماماً تحت سقف واحد من دون أن يتنازل أي منهما للآخر كي تعود حياتهما الزوجية إلى بداياتها عندما كان الحب سيد الموقف.
وعندما دوت الانفجارات المرعبة في سماء طهران في الأيام الأولى للحرب لم يتغيّر الكثير في سلوك سارة وعلي رغم أن الخوف سيطر على الأجواء، لكن الكبرياء والغضب المتراكم منعهما من تجاوز الخلافات.
كان علي ينام على أريكة في غرفة المعيشة، بينما تغلق سارة باب غرفة النوم على نفسها.
ومع مرور الوقت واشتداد الهجمات وتصاعد وتيرة الغارات في طهران ذاب الجليد العاطفي تدريجياً في ظل عدم قدرتهما على تحمّل ثقل العزلة والخوف المحتمل بمفردهما.
وفي الليلة الثالثة من الحرب عندما اقتربت أصوات الانفجارات واهتزت جدران المبنى اندفع علي إلى الغرفة التي كانت سارة تنام فيها فوجدها في زاوية ترتجف من الخوف واحتضنها.
يقول علي لـ" العربي الجديد": " احتضنتها سريعاً وبدأت في محاولة تهدئتها.
جلسنا على الأرض جنباً إلى جنب للمرة الأولى منذ أسابيع طويلة.
وضعت يدي على كتفها كي أطمئنها فانهارت بالبكاء.
لم نتحدث تلك الليلة عن أخطاء الماضي، بل عن خوفنا، واستعدنا فجأة ذكريات الأيام الجميلة التي جمعتنا في الماضي، وأنستنا الكلمات أشهراً طويلة من المعركة الزوجية.
أدركنا في تلك اللحظات الصعبة مدى صغر وتفاهة خلافاتنا السابقة مقارنة بتهديد فقدان الحياة.
جمعت ظروف الحرب الصعبة شتات قلبينا ببطء، وأصبحنا نتشارك وجبات الطعام ونتابع الأخبار معاً، وتحوّلت العزلة إلى أحاديث دافئة ومواساة متبادلة لحماية بعضنا بعضاً".
وتقول سارة لـ" العربي الجديد": " رغم الخلافات والمعارك المستمرة بيننا لم يطردني علي من البيت.
كنت أتصور في البداية أنه يتجنّب ذلك خوفاً من أن أطالبه بدفع المهر فوراً عبر المحكمة، لكن تبين لي في ليالي الحرب أنه لا يزال يحبني".
وتتحدث عن ظروفها العائلية التي زادت تعقيد موقفها قبل الصلح، وتوضح أن والدها توفي قبل سنوات في حين تزوجت والدتها، وتقول: " لم أستطع الذهاب إلى بيت شقيقي، إذ كنت أخشى التسبب في مشاكل له ولعائلته".
ومع مرور الأيام الأربعين التي شكلت عمر الحرب القاسية تلاشت تماماً فكرة الانفصال التي كانت تسيطر على عقلي علي وسارة، وانتهت أوراق الطلاق التي كانت تنتظر التوقيع ممزقة في سلة المهملات.
ويقول علي: " تعلّمت مع سارة أن نتجاوز التفاصيل الصغيرة التي كادت أن تفجر حياتنا، وأصبحنا نتقاسم كوب الشاي الساخن في ظلام الليل بعد المصالحة، ونتبادل نظرات الإطمئنان بعد كل غارة".
وبينما كانت المدينة في الخارج تلملم جراحها بعد انتهاء العدوان، أعاد علي وسارة بناء أساسات بيتهما الصغير المنهارة بعدما أيقظت أصوات الانفجارات مشاعرهما المدفونة، ومنحتهما المحنة فرصة ثانية وحياة جديدة وُلدت من رحم الخوف، وأدركا أن الحب يستحق البقاء.
وأعلنت المتحدثة باسم منظمة تسجيل الوثائق والأملاك الإيرانية أعظم قوي دل تسجيل انخفاض ملحوظ في معدلات الطلاق خلال فترة الحرب بين 28 فبراير والسابع من إبريل/ نيسان الماضي، بالتزامن مع استمرار تسجيل حالات الزواج رغم الظروف الاستثنائية التي مرت بها البلاد، وقالت لموقع" خبر فردا" الإيراني: " بلغ عدد حالات الطلاق المسجلة خلال 40 يوماً من الحرب 11.
533، ما مثل تراجعاً بنسبة 41.
3% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي، أما عدد حالات الزواج خلال تلك الفترة فوصل إلى 129.
711.
وأوضحت أعظم أن العام الإيراني الذي انتهى في 21 مارس/ آذار الماضي شهد انخفاض الزواج بنسبة 8% مقارنة بالعام الماضي، كما تراجع الطلاق بنسبة 6% مقارنة بالعام الماضي.
وفي ما يتعلق بانخفاض نسب الطلاق، يقول عالم الاجتماع الإيراني أميد علي أحمدي لـ" العربي الجديد": " لا تعكس هذه البيانات مؤشرات واضحة إلى واقع الطلاق الذي يحدث لأسباب ودوافع أسرية عميقة لا تؤثر فيها الحرب كثيراً.
وإذا كان للحرب من أثر فهو سلبي.
ترتكز الحياة الأسرية السليمة على الرصيد العاطفي والاجتماعي والاقتصادي والإداري، وهي لا تتغيّر لحظياً بسبب الحرب.
قد ينخفض الرصيد الاقتصادي لدى بعض فئات المجتمع التي تفقد وظائفها أو تتعرض لخسائر مادية بسبب الحرب، لكن ذلك لا يؤدي بمفرده إلى الطلاق إذا لم يترافق مع انهيار الركائز العاطفية والاجتماعية والإدارية".
ويؤكد أحمدي أن مرور أكثر من شهرين على الحرب ليس فترة كافية لتقييم تأثيراته على الطلاق، ومن الضروري الانتظار لعام أو عامين لمقارنة الإحصاءات قبل الحرب وبعدها، وتحديد ما إذا كانت هناك تغييرات ذات دلالات إحصائية يمكن ربطها بالحرب.
ويرفض أحمدي رفضاً قاطعاً تفسير هذه الإحصاءات بأن الحرب ذات" تأثير إيجابي" على الأسر، ويُفسّر التراجع الملحوظ في الأرقام بعاملين رئيسيين، الأول تعطيل الإجراءات القضائية، إذ إن المؤسسات الرسمية المعنية بإجراءات الطلاق ربما تعطلت أو تباطأ عملها بسبب ظروف الحرب، والعامل الثاني تغيّر ظروف الحرب التي فرضت على الناس أولويات جديدة دفعتهم إلى تأجيل قراراتهم الشخصية، من بينها الطلاق، حتى استقرار الأوضاع وعودة الهدوء اللازم لاتخاذ قرارات مصيرية.
ويوضح أنه" في حال أسفرت الحرب عن تداعيات اقتصادية تمس حياة المواطنين سينعكس التأثير بطبيعة الحال على إحصاءات الطلاق، ويمكن التنبؤ بارتفاع معدلات الطلاق في المستقبل بتأثير الحرب، والذي قد يستغرق بعض الوقت للتبلور ويتطلب تقييماً ودراسة في مراحل لاحقة".
وعموماً يحاول الإيرانيون الحفاظ على مظاهر الحياة الطبيعية بعد الحرب، لكن مواطنين كثيرين يعتقدون بأن التأثير النفسي للحرب لن يزول بسرعة.
وحتى أولئك الذين يقولون إنهم لا يشعرون بخوف شديد يقرّون بأن الأجواء العامة تغيّرت.
وتُظهر روايات لسكان طهران أن الحرب، حتى عندما لا تُشاهد آثارها المباشرة في كل مكان، تترك بصمتها عبر الأصوات والأخبار والمناخ النفسي العام، فالحرب استهدفت، قبل كل شيء، شعورهم بالأمان والطمأنينة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك