يعاني الاقتصاد الإيراني ضغوطاً متفاقمة بفعل الحرب والحصار الأميركي، في وقت أدى فيه إغلاق مضيق هرمز إلى اضطراب إمدادات الطاقة العالمية وزيادة الضغوط الاقتصادية.
ويواجه الإيرانيون ارتفاعاً حاداً في أسعار الغذاء والدواء والسلع الأساسية، بالتزامن مع فقدان وظائف واسعة النطاق نتيجة الحرب التي استهدفت قطاعات صناعية حيوية، إضافة إلى تعطيل الحكومة خدمات الإنترنت لأكثر من شهر.
وقال الخبير الاقتصادي الإيراني والباحث في جامعة برانديز، هادي كاحال زاده، إن التكلفة الاقتصادية للحرب والحصار البحري الأميركي" كبيرة للغاية وغير مسبوقة بالنسبة إلى إيران".
وأضاف أن إيران اعتادت مواجهة الضغوط الاقتصادية والعقوبات على مدى عقود، وأن قدرتها على التكيف لم تتلاشَ، " لكن ذلك سيكون بثمن باهظ، إذ ستنتقل الكلفة الأساسية إلى الإيرانيين العاديين عبر ارتفاع التضخم، وزيادة الفقر، وتراجع الخدمات، وتفاقم صعوبة الحياة اليومية".
ووفق تقديرات صندوق النقد الدولي، من المتوقع أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المقبل.
وذكر مركز الإحصاء الإيراني، منتصف الشهر الماضي، أن معدل التضخم السنوي بلغ 53.
7%، فيما تجاوز تضخم أسعار الغذاء 115% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
وفي الوقت نفسه، فقد الريال الإيراني أكثر من نصف قيمته خلال العام الماضي، متراجعاً إلى مستوى قياسي بلغ 1.
9 مليون ريال مقابل الدولار بنهاية العام الماضي.
وأدت الأوضاع الاقتصادية المتدهورة إلى اندلاع موجة احتجاجات واسعة في مختلف أنحاء إيران خلال يناير/ كانون الثاني الماضي.
وفي وسط طهران، كان حسين فارماني (56 عاماً) ينتظر الزبائن إلى جانب عدد من سائقي سيارات الأجرة تحت أحد الجسور، وتحدث لوكالة أسوشييتد برس عن الارتفاع الجنوني للأسعار خلال العام الماضي.
وقال إن سعر الشاي ارتفع بأكثر من 50% منذ بداية الحرب، إلى جانب سلع أساسية أخرى مثل الحليب، مضيفاً: " إذا استمر الوضع على هذا المنوال، فسنعاني أكثر بكثير".
ورغم تفاقم الأزمة، قال فارماني إنه يرفض" السلام المُهين" مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مضيفاً: " لا يمكن لبلد قدّم هذا العدد من الشهداء، ولديه أناس مستعدون للتضحية بأرواحهم، أن يسمح للآخرين بفرض شروطهم عليه".
ورغم أن الأسعار ارتفعت تدريجياً خلال العامين الماضيين، كشفت جولة لوكالة أسوشييتد برس في متاجر طهران عن قفزات حادة منذ فبراير/ شباط، إذ ارتفعت أسعار الدجاج واللحوم بنسبة 45%، والأرز 31%، والبيض 60%.
وأعلنت السلطات الإيرانية إجراءات لدعم المواطنين في مواجهة الغلاء، لكن عدداً من هذه السياسات، ومنها رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة 60% وبرامج القسائم الغذائية، ساهمت في زيادة التضخم، بحسب ما كتبه الخبير الاقتصادي تيمور رحماني من جامعة طهران في صحيفة" دنيا اقتصاد".
ومنذ بداية الحرب، أدى تشغيل خدمات المترو والحافلات مجاناً إلى زيادة معاناة سائقي سيارات الأجرة في طهران.
وقال سائق آخر يدعى محمد ديلجو، ويعيل طفلين بدخل يومي يبلغ أربعة دولارات، إن المشكلة الأساسية لم تعد نقص السلع، بل التلاعب بالأسعار.
وأضاف: " نشتري الضروريات فقط مثل الخبز والبطاطس، حتى البيض أصبح باهظ الثمن"، مشيراً إلى أن أسعار الإطارات وقطع غيار السيارات ارتفعت خمسة أضعاف خلال أقل من عام.
ومع استمرار تسريح العمال، يواجه كثير من الإيرانيين صعوبة متزايدة في تأمين مصادر دخلهم.
وقال علي أصغر ناهارداني (35 عاماً) إن شركة النقل الذكي التي يعمل لديها لم تدفع راتبه منذ أكثر من شهر، ما اضطره إلى العمل بائعاً متجولاً لتأمين نفقات المعيشة.
وأضاف: " نعيش يوماً بيوم، ونحاول تجاوز الوضع في ظل استمرار الحرب".
وإذا كان إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات الطاقة العالمية، قد تسبب بارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، فإن الحرب الأميركية الإسرائيلية عمّقت أيضاً تراجع الطبقة الوسطى الإيرانية، بعد عقود من العقوبات الغربية.
وقال أستاذ اقتصاديات الشرق الأوسط في جامعة ماربورغ، محمد فرزانجان، إن الطبقة الوسطى تقلصت إلى نحو 55% من سكان إيران بحلول عام 2019، قبل أن تؤدي العقوبات الجديدة والحروب والفساد وسوء الإدارة الاقتصادية إلى مزيد من التآكل.
ووفق تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في أواخر مارس/ آذار، فإن الحرب قد تدفع ملايين الإيرانيين إلى ما دون خط الفقر.
وفي المقابل، يسعى قادة إيران لدعم الجبهة الداخلية عبر الدعوة إلى تحمّل الأعباء الاقتصادية المرتبطة بالحرب.
ووصف المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، المرحلة الحالية بأنها" ساحة معركة اقتصادية"، داعياً أصحاب الأعمال إلى تجنب تسريح العمال قدر الإمكان، وذلك في سلسلة رسائل نشرها عبر قناته الرسمية على تطبيق تليغرام الجمعة الماضية.
كذلك دعا رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، المواطنين إلى" ترشيد الإنفاق"، مؤكداً أن المسؤولين والمواطنين يتحملون" واجب مساعدة بعضهم بعضاً" للتخفيف من التداعيات الاقتصادية.
وفي ظل استمرار الحرب وتشدد العقوبات الأميركية، تبدو إيران أمام مرحلة اقتصادية أكثر صعوبة، مع تصاعد الضغوط على العملة والأسعار وفرص العمل.
وبينما تحاول السلطات احتواء التداعيات عبر إجراءات دعم محدودة، يخشى اقتصاديون من أن يؤدي استمرار التوتر في المنطقة وإغلاق مضيق هرمز إلى تعميق الركود وتوسيع رقعة الفقر، في وقت تتزايد فيه كلفة المعيشة على الإيرانيين.
(أسوشييتد برس، العربي الجديد).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك