الرباط ـ «القدس العربي»: فجّر التقرير السنوي لـ «المجلس الأعلى للحسابات» (مؤسسة رسمية للرقابة المالية على المؤسسات العمومية) برسم 2024-2025 نقاشا سياسيا واسعا داخل مجلس النواب المغربي (الغرفة الأولى في البرلمان)، بعدما تحولت جلسة مناقشة عرض الرئيس الأول للمجلس، زينب العدوي، إلى مواجهة سياسية بين مكونات الأغلبية والمعارضة بشأن حصيلة السياسات العمومية ومدى نجاعة الإصلاحات التي باشرتها الحكومة خلال السنوات الأخيرة.
وعكست مداخلات الفرق البرلمانية، الثلاثاء، حجم التباين في تقييم مضامين التقرير، خاصة في ما يتعلق بالحماية الاجتماعية والقدرة الشرائية والحَوْكَمة والاستدامة المالية للبرامج الاجتماعية.
فبينما أثنت الأغلبية على عمل حكومة عزيز أخنوش في هذا الصدد، وجّهت فرق المعارضة انتقادات حادة للأداء الحكومي، معتبرةً أن التقرير يكشف استمرار أعطاب عميقة في تدبير عدد من الأوراش الاجتماعية والاقتصادية.
في هذا الصدد، اعتبرت نادية التهامي، النائبة البرلمانية عن فريق «التقدم والاشتراكية» المعارض، أن «أبرز وجوه فشل الأداء الحكومي يتمثل في غلاء الأسعار وتدهور القدرة الشرائية للأسر واختلالات التنافس الاقتصادي وتراجع تصنيف المغرب في مؤشرات إدراك الفساد».
وتساءلت البرلمانية عن مآل إصلاح التقاعد وتوسيع الانخراط في أنظمته، إلى جانب تعميم التعويض عن فقدان الشغل، باعتبارهما مكونين أساسيين من القانون الإطار المتعلق بالحماية الاجتماعية، كان يفترض إخراجهما قبل نهاية سنة 2025.
كما اعتبرت أن التقرير أعاد تسجيل الملاحظات نفسها التي سبق للمعارضة أن نبهت إليها، خاصة ما يتعلق بتحديات التمويل والاستدامة والإصلاح الشامل للمستشفى العمومي.
مخاطر إفلاس صناديق التغطية الصحيةولفتت التهامي إلى ما وصفته بمخاطر إفلاس صناديق التغطية الصحية، موضحة أن نفقاتها ارتفعت بنسبة 83 في المئة، مقابل ارتفاع الموارد بنسبة 36 في المئة فقط، مشيرة إلى أن القطاع الخاص يستفيد من 91 في المئة من إجمالي النفقات التي يصرفها التأمين الصحي، وفق ما أورده التقرير.
بدوره، تساءل إبراهيم أجنين، النائب البرلماني عن مجموعة «العدالة والتنمية» المعارضة، عن مدى التزام الحكومة بتنفيذ توصيات «المجلس الأعلى للحسابات»، مشيرًا إلى أن نسبة تنفيذ توصيات تقرير 2023-2024 لم تتجاوز 16 في المئة.
واعتبر أن هذا المعطى يعكس، حسب تعبيره، «انزعاج الحكومة من توصيات الهيئات الدستورية وهيئات الحوْكمة»، متهما إياها بالتدخل لتغيير منهجية اشتغال بعض المؤسسات أو رفض خلاصاتها، وهو ما اعتبره «تراجعا غير مقبول عن روح دستور 2011».
وأشار المتحدث ذاته إلى أن مناقشة التقرير تأتي في سياق سياسي دقيق يتزامن مع الدورة الأخيرة للبرلمان واقتراب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، معتبرا أن هذه المرحلة تطرح رهانات كبرى تتعلق بتنزيل النموذج التنموي الجديد وتفعيل الجهوية المتقدمة والخيارات الاستراتيجية التي انخرط فيها المغرب.
وثيقة إدانة سياسية وإداريةواعتبرت «فدرالية اليسار الديمقراطي» أن التقرير السنوي «للمجلس الأعلى للحسابات» تحول إلى ما يشبه «وثيقة إدانة سياسية وإدارية»، تكشف حجم الأعطاب التي ما تزال تعاني منها السياسات العمومية رغم تضخم الميزانيات المخصصة لعدد من الأوراش الاستراتيجية.
وأكدت النائبة البرلمانية فاطمة التامني، أن المؤشرات الواردة في التقرير تبين أن الحكومة لم تنجح بعد في تحويل الوعود المعلنة إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، معتبرة أن ارتفاع الاعتمادات المالية لا ينعكس بالضرورة على جودة الخدمات أو تحسين الأوضاع الاجتماعية، وهو ما يطرح، حسب قولها، أسئلة حقيقية حول الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
في الاتجاه نفسه، قالت نبيلة منيب، البرلمانية عن الحزب «الاشتراكي الموحد» المعارض، إن التقرير يكشف تعثر عدد من المشاريع والبرامج التي يعود بعضها إلى سنة 2008، مؤكدة أن تقارير «المجلس الأعلى للحسابات» تبرز الحاجة إلى كوادر كفؤة ونزيهة للإشراف على الإصلاحات والبرامج المهيكلة، إلى جانب تطوير آليات التقييم والتخطيط بنظرة شمولية.
وشددت منيب على أن تقارير المجلس لا ينبغي أن تبقى دون تبعات سياسية أو قضائية، خاصة في ما يتعلق بسوء التدبير والتقصير، مشيرة إلى أن التقرير يقدم «أرقاما صادمة» بشأن الحماية الاجتماعية، ويطرح تساؤلات مرتبطة بالاستدامة وتمويل المنظومة الصحية والنهوض بالمستشفيات العمومية.
كما اعتبرت أن التقرير يثير إشكالات مرتبطة بتكلفة الطاقات المتجددة وتراجع الدور الاستراتيجي للدولة، بما قد يهدد، حسب تعبيرها، السيادة الوطنية والاستقرار المجتمعي.
النائب البرلمانية ريم شباط عن حزب «جبهة القوى الديمقراطية»، أثنت على الدور الذي يقوم به «المجلس الأعلى للحسابات» في ضبط التوازنات المالية ورصد مكامن الخلل وكذا فضح اختلالات التدبير العمومي.
وتساءلت في ما يخصّ الموارد المائية: إلى متى نظلّ كل سنة نتحدث عن العطش؟ واستدلت على ذلك بأكبر سد يوجد في إقليم فاس مكناس، «سد الوحدة».
وفي المقابل، ما زلت عدة مناطق تعاني من العطش.
واعتبرت أن هذا الواقع وجهٌ من أوجه الفوارق المجالية التي تحدّث عن تقرير المجلس.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك