واستقطب هذا الحصار تحالفا مفاجئا بين جبهة تحرير أزواد الانفصالية العلمانية وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم" القاعدة" وتوصف بأنها جهادية، في مشهد وصفه المراقبون بغير المسبوق، واستمد هذا التحالف زخمه من سنوات متراكمة من المظالم الإثنية وإخفاقات التنمية التي أذكت غضب سكان مناطق الهامش ضد السلطة المركزية.
وجاء اغتيال وزير الدفاع المالي الجنرال ساديو كامارا داخل ثكنته العسكرية في مدينة كاتي قرب باماكو ليكشف عن هشاشة بالغة في قلب الدولة التي طالما اعتمدت على الوجود الروسي درعا لحمايتها.
وتشرح جغرافيا مالي وحدها كثيرا من جذور الأزمة؛ فالبلاد مقسمة إلى ثلاثة أحزمة متمايزة تماما: الشمال الصحراوي الشاسع الذي يحتضن قبائل الطوارق وغيرهم من الرُحَّل، وشريط الساحل الأوسط حيث ترتفع معدلات الأمطار وتصلح الأراضي للزراعة، ثم المنطقة الاستوائية المحيطة بالعاصمة باماكو التي يتركز فيها قرابة 90% من السكان.
وصنع هذا التوزع تفاوتا بنيويا عميقا، إذ احتكر الجنوب الصغير الثروة والسلطة وقدرة التجنيد، بينما بات الشمال الواسع محروما وغاضبا وعاجزا عن تشكيل جيش منتظم لأن سكانه رُعاة يتنقلون مع مواشيهم.
وفي حلقة (2026/5/13 ) من برنامج" موازين" وهذا رابطها، تناول الباحث في مركز الجزيرة للدراسات الدكتور الحواس تقية هذه الأزمة بتعمق، موضحا أن المشكلة الجوهرية لا تتمثل في وجود جماعات مسلحة فحسب، بل في دوامة مغلقة من الفشل المتبادل، حيث تؤدي المظالم إلى التمرد والتمرد إلى القمع والقمع إلى مظالم أشد، فتُستنزف موارد الدولة في الأمن بدلا من التنمية مما يفاقم الأزمة ذاتها دون توقف.
وسلّطت الأحداث الأخيرة الضوء على حجم التحولات منذ خروج فرنسا من المشهد؛ فقد تدخلت باريس عسكريا عام 2012 حين كادت الجماعات المسلحة تصل إلى باماكو، وطوّرت وجودها في إطار عملية" برخان" التي ضمّت أكثر من ألفي جندي تشادي.
غير أن انقلاب عام 2021 أوقعها في مأزق دبلوماسي، فاختارت فرنسا الوقوف مع دول غرب أفريقيا الرافضة للانقلابات، فردّ المجلس العسكري بطردها وبنى شرعيته على خطاب مناهضة الاستعمار الفرنسي.
وملأت روسيا هذا الفراغ عبر مجموعة فاغنر المُعاد تسميتها" الفيلق الأفريقي" بنحو 2500 عنصر.
وأوضح تقية أن دوافع موسكو تتجاوز المناكفة الجيوسياسية مع باريس إلى مصلحة اقتصادية مباشرة، إذ يُركّز الفيلق تمركزه عند مناجم الذهب تحديدا، وهو معدن تحتاجه روسيا المقصاة من نظام المدفوعات الدولي (سويفت) جراء العقوبات الغربية بعد شنها حربا على أوكرانيا.
وفي المقابل، تركز الصين اهتمامها على المعادن النادرة وعقود البنية التحتية، وتحرص على التمايز عن الانخراط العسكري المباشر، وعلى الصعيد الإقليمي، تتصدر الجزائر قائمة الدول الأكثر انشغالا بالأزمة المالية، إذ تمتد حدودها مع مالي 1400 كيلومتر، ويعيش في جنوبها طوارق هم امتداد طبيعي لإخوانهم شمال مالي.
وتدعم تركيا الحكومة العسكرية المالية انطلاقا من حساباتها الخاصة مع فرنسا، مستغلة كل فرصة لإضعاف نفوذها ردا على معارضة باريس الدائمة لانضمام أنقرة إلى الاتحاد الأوروبي وموقفها من النزاعات في شرق المتوسط.
وتتقاطع عند تحليل الهجمات الأخيرة دلالتان رئيسيتان وفقا لتقية؛ فمقتل وزير الدفاع المالي مهندس العلاقات مع موسكو يجسد فشل الضمانة الروسية للمجلس العسكري ويفتح تساؤلات جدية حول جدوى استبدال الشراكة الغربية بالروسية.
أما التحالف بين حركة الأزواد وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين فقد نجح رغم هشاشته الأيديولوجية في فرض حصار متعدد المحاور، بدأ بقطع إمدادات الوقود والغذاء ووصل إلى السيطرة على مجرى نهر النيجر الذي يمثل الشريان اللوجستي الرئيسي للبلاد.
ويرجح تقية أن هذا التحالف مؤقت بطبيعته، إذ تسعى حركة الأزواد إلى انتزاع حكم ذاتي في الشمال لا الهيمنة على باماكو، في حين تطمح نصرة الإسلام والمسلمين إلى إقامة كيان ديني شامل، وهو تناقض في الأهداف يجعل انفراط التحالف أمرا محتملا.
ويضاف إلى ذلك أن أي سيطرة جهادية على العاصمة ستستدعي ردا إقليميا ودوليا حادا، مما يجعل مسار الأزمة مفتوحا على سيناريوهات متعددة لا يبدو احتواؤها وشيكا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك