في الذاكرة السياسية للعالم، يبدو 14 مايو/ أيار 1948 يومًا واحدًا في التقويم، هو اليوم الذي أعلن فيه دافيد بن غوريون قيام دولة إسرائيل قبل ساعات من انتهاء الانتداب البريطاني على فلسطين.
لكن في الذاكرة الفلسطينية والعربية، يقف هذا التاريخ ملاصقًا ليوم آخر هو 15 مايو، الذي تحول إلى رمز للنكبة، أي لحظة التهجير الكبرى واقتلاع مئات آلاف الفلسطينيين من مدنهم وقراهم.
هكذا يظهر التاريخان متجاورين لكن بروايتين مختلفتين.
ففي الرواية الإسرائيلية، يُقدَّم 14 مايو بوصفه يوم تأسيس الدولة وولادتها السياسية، بينما يختصر 15 مايو في الرواية الفلسطينية بداية مسار طويل من التهجير وفقدان الأرض والبيت والهوية.
وبين التاريخين، تتجسد واحدة من أكثر مفارقات القرن العشرين قسوة: قيام دولة لشعب تزامن مع نكبة شعب آخر.
ورغم ارتباط النكبة بيوم 15 مايو، فإن التهجير لم يبدأ في ذلك اليوم وحده، بل سبق إعلان قيام إسرائيل بأشهر، خصوصًا بعد قرار تقسيم فلسطين الصادر عن الأمم المتحدة في نوفمبر/ تشرين الثاني 1947.
حينها دخلت البلاد مرحلة متصاعدة من المواجهات العسكرية والسياسية، وبدأت عمليات السيطرة على القرى والمدن، مع موجات نزوح متزايدة بفعل الخوف والحصار والعمليات المسلحة.
ومع ربيع عام 1948، كانت عشرات القرى الفلسطينية قد أُفرغت أو دُمّرت، فيما عاشت مدن كبرى لحظات تفكك وانهيار قبل انتهاء الانتداب البريطاني رسميًا.
لذلك، لم يكن 15 مايو بداية النكبة بقدر ما أصبح رمزًا اختصر في الذاكرة الجماعية مسارًا طويلًا من الفقدان وتحول الفلسطيني من صاحب أرض وبيت إلى لاجئ يحمل مفتاحًا أو اسم قرية لم تعد موجودة كما كانت.
وفي 14 مايو 1948، أعلن بن غوريون قيام دولة إسرائيل في تل أبيب، في لحظة فراغ سلطوي ومع اشتداد الصراع المسلح الذي كان قد غيّر موازين الأرض والسكان.
لم يكن الإعلان مجرد خطوة سياسية، بل جاء وسط حرب مفتوحة كانت تعيد رسم الخريطة بالقوة، بينما كان الفلسطينيون يعيشون انهيار المجتمع المحلي وخروج العائلات من مدنها وقراها.
وفي اليوم التالي، دخلت الجيوش العربية الحرب واتسع الصراع، ليتحول 15 مايو لاحقًا إلى التاريخ الذي تُستعاد فيه النكبة سنويًا.
ولم تعد" النكبة" تشير فقط إلى هزيمة عسكرية، بل إلى خسارة الأرض وتفكك المجتمع ومحو القرى وولادة الشتات الفلسطيني، وهو ما جعلها حاضرة في الذاكرة الفلسطينية والعربية بوصفها إطارًا لفهم ما جرى وما تلاه.
ومن أكثر وجوه النكبة إيلامًا اختفاء قرى فلسطينية كاملة من الجغرافيا مع بقائها حية في الذاكرة، مثل دير ياسين والطنطورة وصفورية ولوبية وإقرث وكفر برعم.
ففي تلك القرى، لم يكن التهجير مجرد انتقال للسكان، بل اقتلاعًا لمجتمعات كاملة هُدمت بيوتها وصودرت أراضيها وتغيرت هويتها بالقوة.
ورغم ذلك، بقيت أسماء القرى حاضرة في المخيمات والشتات، حيث واصل الفلسطينيون تعريف أنفسهم بأماكن لم يرها بعض الأبناء والأحفاد، بعدما نقلت العائلات الذاكرة كما تُنقل الوصايا.
وهكذا تحولت القرية الغائبة إلى جزء من الهوية الفلسطينية ووسيلة لمقاومة المحو والنسيان.
ومنذ عام 1948، لم تعد فلسطين مجرد أرض متنازع عليها، بل قضية شعب موزع بين الداخل والضفة وغزة والقدس والمخيمات والمنافي، فيما بقيت أسئلة العدالة والعودة والاعتراف والحق في الوجود السياسي والإنساني مفتوحة حتى اليوم.
ولهذا، لا تُقرأ النكبة باعتبارها حدثًا من الماضي فقط، بل كواقع مستمر تظهر آثاره في الحروب والاستيطان والحصار ومصادرة الأراضي من القدس إلى غزة.
وبعد أكثر من سبعة عقود، لا يزال الفلسطينيون يستخدمون تعبير" النكبة المستمرة"، لأن ما بدأ عام 1948 لم يتوقف عند حدود التهجير الأول، بل تواصل بأشكال مختلفة من الاقتلاع والتضييق.
ولهذا، لا يمثل 15 مايو استعادة للماضي فقط، بل مناسبة لقراءة حاضر لا تزال فيه آثار النكبة حاضرة في حياة الفلسطينيين اليومية.
ومن 14 إلى 15 مايو، لا ينتقل التاريخ من يوم إلى آخر فحسب، بل من إعلان قيام دولة إلى ولادة مأساة شعب، ومن وثيقة سياسية إلى ذاكرة جماعية بقيت حية لأن أصحابها لم يتخلوا عنها، ولأن سؤال العدالة ما زال مفتوحًا حتى اليوم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك