أكدت الدكتورة أميرة الخياط استشاري طب وجراحة الحيوانات الأليفة، أن الأمن الغذائي لم يعد مجرد ملف خدمي، بل أصبح أحد أعمدة الاستقرار الوطني ومحددًا رئيسيًا لقدرة الدول على مواجهة الأزمات الاقتصادية العالمية، مشيرة إلى أن الدولة المصرية تتجه بقوة نحو التوسع في مشروعات الإنتاج الحيواني والداجني والسمكي باعتبارها ركيزة أساسية للأمن القومي الغذائي.
وأوضحت أن هذه المنظومة الحيوية لا يمكن أن تحقق كفاءتها الكاملة دون امتلاك أدوات الحماية المرتبطة بها، وفي مقدمتها صناعة الدواء واللقاحات البيطرية، مؤكدة أن الدواء البيطري أصبح مكونًا استراتيجيًا في معادلة الاقتصاد الوطني، نظرًا لارتباطه بالحفاظ على أصول إنتاجية ضخمة واستقرار سلاسل الإمداد الغذائي وأسعار المنتجات الغذائية.
وأضافت أن المؤشرات الحالية تكشف عن نقطة ضعف تتمثل في الاعتماد الكبير على الاستيراد، حيث يقدر حجم سوق الأدوية واللقاحات البيطرية في مصر بنحو عشرين مليار جنيه سنويًا، بينما لا تزال نسبة كبيرة من الاحتياجات تعتمد على الخارج، مع ارتباط شبه كامل بالمواد الخام الفعالة المستوردة التي تتجاوز نسبتها خمسة وتسعين في المئة.
وأكدت أن هذا الوضع لا يمثل عبئًا ماليًا فقط، بل يشكل ضغطًا مستمرًا على العملة الأجنبية، ويجعل قطاعًا حيويًا عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، وهو ما ينعكس مباشرة على تكلفة الإنتاج الحيواني وأسعار الغذاء، موضحة أن استمرار هذا النمط يمثل تحديًا استراتيجيًا يتطلب دعم التصنيع المحلي وتعزيز القدرة الإنتاجية الوطنية.
وأشارت إلى أن تقديرات منظمة الأغذية والزراعة تؤكد أن الأمراض الحيوانية تمثل أحد أكبر مصادر الخسائر الاقتصادية في قطاع الإنتاج الحيواني، ليس فقط بسبب النفوق، ولكن نتيجة تراجع الكفاءة الإنتاجية وزيادة الاعتماد على الاستيراد، وهو ما يفرض ضرورة الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء القدرة الذاتية على الوقاية والإنتاج.
وأضافت أن التجارب الدولية أثبتت أن امتلاك القدرة على تصنيع الدواء يبدأ من السيطرة على إنتاج المواد الخام الفعالة، لافتة إلى أن دولًا مثل الهند تمكنت من التحول إلى مركز عالمي في صناعة الدواء عبر الاستثمار المبكر في هذا المجال، وهو ما انعكس على قدرتها التصديرية وتقليل الضغط على عملتها المحلية.
وشددت الدكتورة أميرة الخياط على أن توطين صناعة الدواء البيطري في مصر يتطلب خطوات عملية تبدأ بإطلاق برنامج وطني لتوطين المواد الخام الفعالة، يستهدف خلال ثلاث إلى خمس سنوات تقليل الاعتماد على الاستيراد بنسبة كبيرة، من خلال شراكات صناعية حقيقية بين الدولة والقطاع الخاص لضمان نقل التكنولوجيا وتوطينها.
كما دعت إلى إنشاء منطقة صناعية متخصصة في الصناعات الدوائية البيطرية تضم مصانع للمواد الخام ومراكز بحث وتطوير، مع تقديم حوافز استثمارية وتسهيلات تمويلية لتشجيع الاستثمار في هذا القطاع الحيوي، إلى جانب ربط البحث العلمي بالصناعة وتحويل مخرجات الأبحاث إلى منتجات فعلية داخل السوق.
وفي ختام حديثها، أكدت أن توطين صناعة الدواء البيطري لم يعد خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة استراتيجية لتعزيز الاستقلال الاقتصادي وتقليل التعرض للصدمات الخارجية، وبناء قطاع إنتاجي قوي يسهم في حماية الأمن الغذائي ودعم التنمية الشاملة للدولة المصرية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك