انطلقت في مدينة قازان الروسية أعمال منتدى الإعلام التابع لمجموعة الرؤية الاستراتيجية “روسيا والعالم الإسلامي” لعام 2026، مسلطا الضوء على حجم الاستثمارات في تقنيات الذكاء الاصطناعي الإعلامية وسبل حماية الهوية الثقافية.
وشهد المنتدى، الذي تزامن مع الذكرى العشرين لتأسيس المجموعة، مشاركة واسعة لقادة مؤسسات إعلامية وخبراء من 25 دولة لبحث السيادة الرقمية ومواجهة التزييف، مع الإعلان عن تدشين منصات تقنية متطورة وبرامج تدريبية متقدمة لتعزيز العمل الصحافي المشترك.
تنبؤ المتغيرات الاجتماعيةوافتتحت أعمال المنتدى مستشارة مجموعة الرؤية الاستراتيجية روسيا والعالم الإسلامي ورئيسة بروتوكول قناة روسيا اليوم الفضائية آنا بيليكوفا، مؤكدة أن المنتدى نجح في التحول إلى جسر معلوماتي صلب يربط بين روسيا والبلدان الإسلامية عبر مسار تاريخي ممتد من العمل المشترك.
وذكرت المستشارة بيليكوفا أن الأجندة الحالية لا تقف عند حدود رصد المخاوف من الأدوات الرقمية، بل تسعى بشكل عملي للتنبؤ بالتغيرات الاجتماعية والأخلاقية الناجمة عنها والوقاية من عواقبها السلبية.
وقالت بيليكوفا إن التطور الرقمي الحالي يتطلب صياغة مقترحات ملموسة تضمن الاستخدام الصحيح والمسؤول للذكاء الاصطناعي، بما يخدم الحفاظ على المضمون الصادق واحترام الجذور التاريخية، مشيدة بالدور التنظيمي الذي تقوم به الوكالة الجمهورية للصحافة ووسائل الإعلام الجماهيرية تاتميديا بالشراكة مع اتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي.
تعزيز الدبلوماسية الشعبيةمن جانبه، أكد نائب رئيس مجموعة الرؤية الاستراتيجية روسيا والعالم الإسلامي ومساعد رئيس جمهورية تتارستان مارات غاتين أن هذا التجمع الإعلامي يمثل استمراراً حيوياً للجهود الرامية إلى تنويع تنسيقات العمل وتحويل المجموعة إلى منصة حقيقية للدبلوماسية الشعبية.
وأوضح غاتين أن دورة هذا العام تتميز بحضور استثنائي لأكثر من 50 ممثلاً عن الأوساط الإعلامية الكبرى والمدونين الذين قدموا من 21 دولة لاعتماد صيغة الحوار المباشر المستمر.
وذكر نائب رئيس المجموعة أن منتدى الإعلام يمهد الطريق لعقد الاجتماع السنوي العام للمجموعة المقرر إقامته في 15 مايو تحت عنوان القيم المشتركة كأصل للتعاون والتفاهم المتبادل.
وفي سياق متصل، حذر مدير إدارة المعلومات في منظمة التعاون الإسلامي الدكتور طارق لادجال من خطورة تحول الفضاء الرقمي إلى ساحة لمعركة فكرية يتم فيها تفكيك وتزييف الرموز التراثية للشعوب الإسلامية.
وأوضح الدكتور لادجال أن التراث الثقافي في الدول الأعضاء بالمنظمة ليس مجرد معروضات جامدة في المتاحف، بل هو منظومة حية من الهوية والقيم الروحية التي صمدت لقرون.
وأشار لادجال إلى أن هذه الرموز تُعاد كتابتها اليوم بلغة ثنائية رقمية، مما يفرض ثلاثة تحديات رئيسية؛ أولها الحفاظ على الحقيقة ومواجهة الاستشراق الرقمي الذي يفلتر التراث عبر منصات خارجية لا تفهم جوهره، وثانيها الانتشار المتسارع للزيوف العميقة والانحياز الخوارزمي، وثالثها يرتبط بالسيادة على البيانات لكون المخرجات الصحفية المشتركة تُخزن في سحابات تقع خارج الحدود الجغرافية للدول المعنية.
وطرح مدير إدارة المعلومات ثلاثة إجراءات عاجلة تشمل تعزيز الثقافة السياقية عبر إلزام غرف الأخبار بتدريب الذكاء الاصطناعي على قواعد بيانات محلية.
(اقرأ الموضوع كاملا بالموقع الإلكتروني)وتفعيل التحقق التعاوني من خلال العمل على إطلاق شبكة منظمة التعاون الإسلامي لتدقيق الأخبار لمكافحة التضليل، والتركيز على سرد القصص المتمحور حول الإنسان لضمان بقاء الروابط الإنسانية والروحية التي لا يمكن لأي خوارزمية محاكاتها.
وقالت المديرة العامة لشبكة التلفزيون “روسيا اليوم” فيرا خارينا إن الشراكة الاستراتيجية مع العالم الإسلامي تمثل خياراً ثابتاً في السياسة الخارجية لروسيا التي تعد موطناً لملايين المسلمين، وفي ظل السعي لبناء نظام عالمي متعدد الأقطاب.
وذكرت خارينا أن القناة الناطقة باللغة العربية تمتلك اليوم شبكة شراكات متينة تشمل 38 مؤسسة إعلامية رائدة وثلاث جامعات، إلى جانب توقيع 35 مذكرة تفاهم للتعاون المشترك وإنتاج الأفلام الوثائقية.
وأوضحت المديرة العامة أن القناة وسعت حضورها الدولي بتوقيع مذكرات تفاهم جديدة في الرياض مع كبرى وسائل الإعلام السعودية، واستمرار الشراكة الممتدة لأربع سنوات مع إذاعة صوت كل لبنان، فضلاً عن افتتاح مكتب تمثيلي في إندونيسيا وبث البرامج عبر شبكتها الرسمية.
وتطرقت خارينا إلى الجانب التكنولوجي، مؤكدة أن الشبكة حققت طفرة نوعية بإطلاق منصة المحور الرقمي الداخلية الموحدة التي تدمج نماذج النصوص والصوت والفيديو، مما يتيح للمحررين الحصول على تفريغ صوتي وترجمة فورية وتوليد نصوص فرعية للبث المباشر مع الحفاظ التام على السياق الأخلاقي والإنساني للقصة الصحفية.
ومن جانبه، أوضح المدير العام لاتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي محمد اليامي أن الاتحاد يعمل على مسارين متوازيين لاستيعاب وتوظيف التقنيات الحديثة في العمل الصحفي.
وذكر اليامي أن المسار الأول يركز على دمج الذكاء الاصطناعي في منظومة العمل الداخلية عبر إطلاق منصة المحرر الذكي لتوليد المحتوى الإعلامي، وتطوير برامج الربط الآلي والترجمة الفورية بين الوكالات الأعضاء، وتدشين أداة متطورة للتحقق من الأخبار المضللة.
وأشار المدير العام للاتحاد إلى أن المسار الثاني يركز على تدريب وتأهيل مئات الإعلاميين في الدول الإسلامية من خلال ورش عمل مكثفة عُقدت بالشراكة مع المؤسسات الإعلامية الروسية لمواجهة المخاطر المرتبطة بالتزييف العميق والتحيز الثقافي، معرباً عن تقديره لمجموعة الرؤية الاستراتيجية ووكالة تاتميديا على دعمهم المستمر للاتحاد الذي حظي بجائزة الإعلام في دورة العام الماضي.
وفي ذات السياق، استعرضت رئيسة قسم العلاقات مع العملاء في وكالة رابتلي للفيديو والأنباء تاتيانا بويتشيفسكايا الإمكانات التطبيقية المتقدمة للوكالة الروسية الأولى في تزويد الفضاء الإعلامي العالمي بالمواد المرئية الموثوقة.
وقالت بويتشيفسكايا إن الوكالة تعتمد على شبكة واسعة من المراسلين لتقديم تغطيات بصرية موضوعية ومستقلة تشمل شؤون العالم الإسلامي بعيداً عن التحيزات الإعلامية الغربية.
وذكرت رئيسة قسم العلاقات أن الوكالة قامت بدمج أنظمة تحقق مؤتمتة متطورة لفحص مقاطع الفيديو وضمان سلامتها من التعديلات أو التزييف الاصطناعي قبل توزيعها، مشددة على التزام الوكالة ببناء أرشيف مرئي رقمي يحمي الهوية الثقافية ويوفر المواد الوثائقية التي توثق التطور التاريخي والمعماري والروحي للمجتمعات الإسلامية.
وفي إطار العروض العلمية التخصصية، قدم رئيس قسم الأبحاث المتقدمة في معهد تطوير الإنترنت في روسيا أليكسي بونكوف ورقة عمل شاملة حول آليات تطور واستخدام الذكاء الاصطناعي في وسائل الإعلام وتأثيراته المباشرة على التحولات السوسيوثقافية.
وقال بونكوف إن الأبحاث المتركزة على قياس الأثر الإدراكي للذكاء الاصطناعي التوليدي تظهر تحولاً جذرياً في سرعة التدفق الإخباري وصياغة الرأي العام.
وذكر رئيس قسم الأبحاث أن أتمتة الكتابة الصحفية ترفع كفاءة التحرير وسرعة الاستجابة للأحداث، لكنها تفرض في الوقت ذاته ضرورة وضع كوابح ومحددات ثقافية واجتماعية صارمة تمنع حدوث حالة من الاغتراب الرقمي أو تشويه الوعي الجمعي، داعياً إلى تطوير أطر تنظيمية مشتركة تحمي الخصوصيات الحضارية وتضمن التوظيف الآمن للتكنولوجيا.
ومن المنظور التقني لدول الجنوب العالمي، استعرض مدير قسم الذكاء الاصطناعي في شركة طلال أبوغزاله العالمية خالد خضر البنية الثلاثية لدمج التقنيات الذكية في غرف الأخبار.
وقال خضر إن هذه البنية تتكون من ثلاث طبقات متكاملة؛ تشمل الطبقة الأولى رفع الكفاءة التشغيلية عبر أتمتة العمليات الروتينية مثل التفريغ الصوتي والترجمة الفورية، وتتمثل الطبقة الثانية في تعزيز المحتوى وتوليده من خلال الأدوات التوليدية المساعدة وشخصنة المواد الصحفية، بينما تركز الطبقة الثالثة على التحليلات المتقدمة وتحقيق العوائد المالية وتوقع اتجاهات الجمهور.
وحذر مدير قسم الذكاء الاصطناعي من مخاطر الاستعمار اللغوي والثقافي التكنولوجي في حال الاعتماد المطلق على النماذج اللغوية الغربية المركزية التي تفتقر لفهم السياقات المحلية، داعياً دول الجنوب العالمي والعالم الإسلامي إلى الاستثمار في تطوير نماذج لغوية كبيرة أصلية ومستقلة تحمي هويتها المعرفية والدينية.
وفي ختام الجلسة التمهيدية وبدء النقاشات الموسعة، طرح رئيس مجلس إدارة جمعية الصحفيين العمانية محمد مبارك العريمي رؤية الصحافة الخليجية والعمانية تجاه التحولات الرقمية الهيكلية.
وقال العريمي إن الصحفيين يقع على عاتقهم دور محوري في تقييم التهديدات الرقمية الناشئة ووضع الحلول العملية لها.
وذكر رئيس مجلس إدارة الجمعية أن المؤسسة تقترح تبني ميثاق شرف أخلاقي ومهني مشترك ينظم التعامل مع الذكاء الاصطناعي بين دورات انعقاد المنتديات، وتأمين برامج تدريبية تخصصية مستمرة للكوادر الإعلامية لتمكينهم من كشف الزيوف الرقمية.
ودعا العريمي إلى مأسسة التعاون عبر تنظيم طاولات مستديرة افتراضية دورية وإطلاق مشروعات استقصائية مشتركة بين الشركاء الإعلاميين لضمان استدامة التنسيق ومواجهة التحديات بفعالية.
من جانبه، ذكر رئيس وكالة تاتميديا آيدار ساليمغاراييف أن مناقشة رمز التراث والتطور الرقمي للمعاني تبحث في عمق التحديات المهنية لضمان بقاء المضمون الصحفي ملتزماً بجذوره التاريخية وسط تحول التنسيقات الرقمية.
واختتم ساليمغاراييف بإعلان تقديم جائزة الإعلام الكبرى لمنتدى قازان الدولي لهذا العام لشبكة التلفزيون روسيا اليوم، تسلمتها خارينا، في خطوة أكدت المستشارة بيليكوفا أنها تأتي تقديراً للتميز والجهود المستدامة في تطوير فضاء إعلامي مشترك وعادل.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك