إن الاعتداءات الإيرانية الآثمة، وضرباتها للبحرين ودول الخليج العربي، وإغلاقها لمضيق هرمز بشكل غير قانوني، هو استهداف ممنهج بنية مسبقة لضرب الاقتصاد والأسواق في دول مجلس التعاون.
وما الاستمرار في أخذ اقتصادات المنطقة والعالم كرهينة من قبل الإيرانيين، إلا إمعان في فكرة خنق اقتصاداتنا التي ما زالت تعاني من غلق مضيق هرمز بصورة غير قانونية، يرمي بظلاله السلبية ويبطئ دورة دماء الاقتصاد المحلي والإقليمي والعالمي.
ومع استمرار العدوان الإيراني بحصار “هرمز” يتضح جليًا أي القطاعات التي بدأت تنزف داخل السوق المحلي، ومن هي الشركات التي تسجل خسائر مؤقتة وأي مؤسسات التي تكافح شبح الإغلاق أو الإفلاس، وكل هذا الأمر كان يرى ويسجل من قبل المعنيين في السلطة.
وزير ديوان رئيس مجلس الوزراء رئيس مجلس إدارة “تمكين” سمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، لم يكن بعيدًا عن المشهد، بل كان يدير رحى عملية إنقاذ اقتصادية مدروسة وعاجلة، ليس لإيقاف نزف المؤسسات المتضررة من العدوان الإيراني فحسب، بل لوضع الكمادات العاجلة على المؤسسات المتضررة، وإعادة تأهيلها كي تستعيد قدرتها على الوقوف بثبات من جديد، بعيدا عن ارتدادات الفوضى الإقليمية وتقلباتها.
وفعلا، جاء توجيه سموه الكريم بإطلاق مبادرة لتقديم الدعم للمؤسسات المتضررة من العدوان، وترجمة “تمكين” الأمر عبر مبادرة لدعم الشركات المتضررة.
إن ما فعلته “تمكين” في ترجمتها لتوجيهات سموه لم يكن مجرد “دعم للشركات المتضررة” فحسب، بل هو كبناء جدار اقتصادي عازل أمام ارتدادات الفوضى الإقليمية.
فحين تضخ منح وتمويلات تستهدف أكثر من سبعة آلاف شركة ومؤسسة بحرينية، فإن الرسالة تتجاوز لغة الأرقام إلى معنى سياسي واقتصادي أكثر عمقًا: الدولة لن تسمح بأن تتحول التوترات الخارجية إلى نزيف داخلي في السوق الوطنية، وستتضافر جهودها في سبيل وضع الحلول الناجعة.
إن ما قدمه سمو الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة في هذا الملف يعد نموذجًا مثالياً لقراءة اقتصادية ناضجة تدرك أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ليست هامشًا في الاقتصاد، بل شرايينه اليومية.
فهذه المؤسسات هي التي تدفع الرواتب، وتحرك الاستهلاك، وتخلق الوظائف، وتحافظ على ديناميكية السوق، وفي الاقتصادات الحديثة، فإن حماية هذه الفئة خلال الأزمات تعني حماية الطبقة المنتجة نفسها، لا مجرد حماية ميزانيات تجارية.
اللافت في الحزمة أنها لم تعتمد منطق “المسكنات الوقتية”، بل صيغت بثلاثة محاور تكشف وجود عقل اقتصادي يفهم تفاصيل السوق: منح للتعافي من الأضرار المباشرة، دعم للنفقات التشغيلية لضمان استمرارية الأعمال، وتسهيلات تمويلية لمعالجة السيولة، وهذه ليست تفاصيل تقنية عابرة، بل أدوات تدخل ذكية تمنع انتقال الأزمة من مستوى الصدمة إلى مرحلة الانكماش الاقتصادي.
وتأتي مبادرات تمكين بعد المبادرات التي أطلقتها الحكومة مشكورة على بدفع رواتب الموظفين البحرينيين لشهر أبريل المنصرم، حيث إن كل هذه المبادرات تشير إلى أن صناع القرار في البحرين لا ينتظرون نزف الأسواق أو الانهيارات، لا سمح الله، بل وجدنا أنهم يتدخلون مبكرًا لحماية الدورة الاقتصادية نفسها، وهو ما يعكس فهمًا متقدمًا لمفهوم الأمن الوطني، باعتباره أمنًا اقتصاديًا واجتماعيًا أيضًا، لا أمنيًا فقط.
أما “تمكين”، فقد أثبت مرة أخرى أنه لم يعد مجرد صندوق دعم تقليدي، بل رئة يتنفس منها الاقتصاد، وهي جهة تلعب دورًا محوريًا في هندسة الاستقرار الاقتصادي البحريني، فمنذ سنوات، وصندوق العمل تمكين يتحول تدريجيًا إلى ذراع تنموية تتعامل مع السوق بعقلية المرونة والاستجابة السريعة، لا بعقلية الإجراءات الجامدة.
وفي هذه الأزمة تحديدًا، بدا واضحًا أن “تمكين” لا تتحرك كجهة تمويل، بل كجزء من منظومة حماية الاقتصاد الوطني.
ووسط هذا المنطقة المثقلة بالبارود والدخان والتوترات، تنشغل البحرين بإدارة الاستقرار على كافة المستويات الأمني والاقتصادي أيضا، وهذا الفارق وحده كفيل بأن يشرح لماذا تستطيع بعض الدول والاقتصادات أن تتماسك حتى في قلب العاصفة.
فالاقتصاد، في نهاية المطاف، ليس أرقاما في التقارير السنوية، بل ثقة، والثقة لا تبنى بالخطب، بل بقرارات حاسمة تشعر معها الشركات والمواطنون أن هناك دولة تراقب المشهد بعين مفتوحة، وتتحرك قبل أن تصل النار إلى السوق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك