قال لي الكاتب المغربي اليهودي الراحل، إدمون عمران المليح، في محاورة صحافية قبل أزيد من ثلاثة عقود، إن إسرائيل تستعمر الدين اليهودي.
وهذه شواهدُ تتوالى، وباطّراد، توضح أن دولة الاحتلال تنشط في زرع أزعومتها في العالم، أنّ في الإتيان على فظاعاتها في الفلسطينيين واللبنانيين تطاولاً على اليهود بصفتهم يهوداً، وأن أيَّ فردٍ أو هيئةٍ أو مؤسّسةٍ في أي موضعٍ في العالم ينتقدون وحشية جيشها معادون للسامية، ويناصرون حركة حماس والإرهاب.
ولهذا، تُعدُّ أيُّ مشابهةٍ بين ارتكابات إسرائيل وما اقترفته النازيّة في ألمانيا ضد اليهود (وغيرهم بالمناسبة) مسّاً باليهود.
والحادثُ أن لوبيّاتٍ صهيونيةً، في أوروبا والولايات المتحدة وغيرهما، في غضون ما لحق بصورة إسرائيل من تردٍّ مُستحق، تتربّص بأي صوتٍ يُري العالمَ جرائم دولة الاحتلال في غزّة وغيرها.
ومع اتساعٍ عريضٍ في العالم للخطاب الانتقادي لدولة الاحتلال، والناقم عليها، في أكاديمياتٍ ومنتدياتٍ وتشكيلاتٍ ثقافيةٍ ومهرجانات سينما وأوساطٍ طلابيةٍ جامعية، وغيرها، ونعتِها بما فيها من عنصريةٍ وشناعاتٍ وجرائم قتل، ظلّت" الميديا"، الأميركية والغربية، في غالبية تنويعاتها، تحت تأثير جماعات الضغط الصهيونية، وإنْ نشرت" نيويورك تايمز" و" الغارديان" وغيرهما تحقيقاتٍ وإضاءاتٍ ساهمت في انكشاف المرويات الإسرائيلية التي انتهجت التدليس للتعمية على جرائم دولة الاستيطان.
ربما كان طويلاً هذا الاستهلال، قبل العبور إلى ما استُهدِف به رسام الكاريكاتير، العالمي على ما هو صحيحٌ وصفه، عماد حجّاج، في صحيفة التلغراف البريطانية، غير أن له أهميته، لتظهير أن لهذا الأمر سياقه العريض، الذي في الوُسع أن يُضمّ فيه ما تعرّض له المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في باريس عندما حملت عليه مجلة لوبوان الفرنسية، بالتنسيق مع منظّمات صهيونية، ورمت مؤتمراً أكاديمياً كان من المقرّر أن تستضيفه" الكوليج دو فرانس"، في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، باتهامات العداء للسامية، وكراهية اليهود، وتجاوبَ وزيرٌ فرنسيٌّ مع تلك الافتراءات، فما انعقد المؤتمر في القلعة الأكاديمية الشهيرة، وانتظم في المقرّ الضيق للمركز، ونجح، على الرغم من تشنيع مناصرين لدولة الاحتلال على ضيوفٍ فيه بأسمائهم.
وهذا صاحبُنا عماد حجّاج، تُوجّه إليه إدارة مهرجان البحيرات الدولي للكوميكس دعوة إلى المشاركة في فعالياته في بريطانيا في أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، فتُسارع" التلغراف" إلى نشر تقرير يفيد بأن حزب المحافظين يطالب بسحب هذه الدعوة إلى" مهرجان تموّله الحكومة البريطانية" جزئياً، من خلال مجلس الفنون، بدعوى أن حجّاج متهمٌ بمعاداة السامية، وسبق أن نشر رسميْن يشابه فيهما إسرائيل بالنازيين (نُشر واحدٌ في" العربي الجديد" 2/6/2025، والآخر في صحيفة الدستور الأردنية 31/3/2002).
وإذا كان من أجهدوا أنفسهم في التنقيب عن رسم للزميل يعود إلى 24 عاماً، فقد كان عليهم أن يعرفوا أن الرسم الآخر أعادت نشره مواقع أوروبية وأميركية.
وكان على كاتبة التقرير أن تقرأ صحيفتها جيداً، وتعود إلى ما نُشر فيها في سبتمبر/ أيلول الماضي عن استطلاع رأي أجرته حملة مناهضة معاداة السامية (CAA)، يُظهر أن 45% من الجمهور البريطاني يعتقدون أن إسرائيل تعامل الفلسطينيين كما عامل النازيون اليهود.
من العجيب، إذن، أن يُتّهم المهرجان في رسالة تلقّاها" مجلس الفنون" بأنه يتّخذ قراراتٍ" تؤجّج نار الكراهية ضد اليهود"، والأعجب أن وزير الداخلية في حكومة الظل، كريس فيليب، طالب بإلغاء دعوة حجّاج، فـ" الأموال العامة يجب ألا تُستخدم لمنح منصّةٍ لمن يحرّضون على الكراهية ضد اليهود"، كما ادّعى في تطاوله الواضح على الرسّام الشهير الذي تنشر منصاتٌ أوروبيةٌ وصحفٌ كبرى (لوموند مثلاً) رسوماتٍ له، ويرفع متظاهرون في الهند والسودان وليبيا رسوماً له، وسبق أنّ منظمتيْن صهيونيتين في نيويورك شنّتا في 2012 حملةً عليه، بزعم التحريض العنصري ومعاداة السامية.
وبذلك، تُرى الحملة المستجدّة جولةً أخرى في استهدافه.
وحسناً فعلت إدارة المهرجان، أنها تمسّكت بدعوته، وإنْ أعلن" مجلس الفنون" نيّته مراجعة تمويله.
الدعوة هنا إلى أن ينشط جهدٌ عربيٌّ، مؤسّساتيٌّ أهليٌّ ورسمي، ضد كل أشكال التمادي الصهيونية التي تتربّص بكل التعبيرات الثقافية والفنية والمعرفية في تظهير جرائم إسرائيل وعنصريتها، وأن يُبدأ فوراً عمل قانونيٌّ محكمٌ ضد افتراءات" التلغراف" ومن أساؤوا إلى عماد حجّاج، وهو الذي لمّا شابه ارتكابات جيش الاحتلال باقترافات النازيين كان يؤشّر إلى ما هو بيّنٌ ومعلوم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك