كابدت سوريا منذ عام 1970 مع وصول عائلة الأسد إلى السلطة حكماً استبدادياً، وعلى مدى العقود اللاحقة خَبِر السوريون أعنف آلة قمع وانتهاك بحق المدنيين وصولاً إلى النزاع المسلح الأخير بعد حراك شعبي طالب بإسقاط النظام رافقته إبادة جماعية وجرائم دولية غير مسبوقة وغيرها من تجاوزات بغية الحفاظ على السلطة لأطول مدة ممكنة، ما دفع المنظمات الحقوقية إلى توثيق هذه الجرائم وحصلت على كم وفير من المستندات والوثائق لإدانته ومحاكمته.
في الأثناء خلصت جمعيات ومنظمات قانونية ومجتمع مدني إلى تقرير حقوقي حمل اسم" مسارات المساءلة الجنائية في سوريا" في وقت يعيش فيه البلد المنكوب مرحلة حساسة تتمثل بتطبيق العدالة الانتقالية بعد سيل من التجاوزات المسجلة، لا سيما خلال حرب (2011 ـ 2024) التي انتهت بهرب بشار الأسد إلى روسيا مخلفاً اقتصاداً منهكاً، وحاشية من المقربين جلهم سياسيون وعسكريون وقادة أمنيون، منهم من ألقت الحكومة القبض عليهم وأحالتهم إلى المحاكمة، كما حدث مع عاطف نجيب، أحد الضباط الأمنيين البارزين وتربطه صلة قرابة مع آل الأسد، كما أنه يعد المتسبب الأساس لاندلاع ثورة درعا، بجنوب سوريا، ويواجه تهماً عدة مع بدء محاكمته في دمشق العاصمة.
إلى ذلك يقدم تقرير" مسارات المساءلة الجنائية" خريطة طريق عملية لإنشاء آلية عدالة جنائية موثوقة، وشاملة ضمن الإطار الأعم للتعافي يستند إلى عملية تشاور متعددة المراحل استمرت 8 أشهر، شارك فيها خبراء قانونيون سوريون ودوليون ومنظمات من المجتمع المدني وجمعيات، فضلاً عن روابط الضحايا والناجين وممثلين عن" اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية" و" اللجنة الوطنية للمفقودين".
وطالبت الورقة بإنشاء سلطة قضائية مستقلة، وخالية من أي تدخل من السلطة التنفيذية، مع توسيع ولاية العدالة الانتقالية لمعالجة الانتهاكات المرتكبة من قبل جميع الأطراف وليس فقط تلك التي ارتكبها النظام السابق، مع إجراء حصر شامل للانتهاكات ومرتكبيها، وإطلاع الرأي العام حول آخر مستجدات عمل" هيئة العدالة الانتقالية".
ولم تغب عن تقرير" المسارات" المطالبة بتتبع وتجميد واستيراد الأصول السورية المختلسة، وضمان إعادة جميع الموارد المستردة إلى الشعب من طريق آليات العدالة الانتقالية، ومن طريق صندوق تعويضات الضحايا للأصول الفردية، ومواصلة ملاحقة الجناة المزعومين بموجب الولاية القضائية العالمية، وتسليمهم عند الطلب.
وقال المدير التنفيذي لمنظمة" سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" بسام الأحمد في حديث إلى" اندبندنت عربية"، إن" العمل جاء ثمرة جهود امتدت أشهراً من الجهد المتواصل، وهي ورقة لمحاولة طرح أسئلة أكثر حول المحاسبة، والمساءلة وتحديداً المساءلة الجنائية، وهي جزء من العدالة بصورة عامة، ولكن الورقة كانت أكثر لمحاولات فهم التساؤلات والأفكار بصورتها المحددة".
وأضاف أن" الورقة تناولت الإجراءات والضمانات القانونية الأساسية لأن أي عملية مساءلة تحدث لا بد من اتخاذ إجراءات، من بينها أسلوب الاعتقالات بطريقة معينة وعدم انتزاع الاعترافات تحت التعذيب أو إخفاء الأشخاص قسراً، وإجراءات تتعلق بمحاكات عادلة، لأنه ليس من الطبيعي أننا نتكلم عن فترة عدالة انتقالية لتعود ذات الانتهاكات بإجراءات ظالمة وغير عادلة".
من الواضح أن التقرير لا يسعى إلى تقديم توصية برؤية معينة لإطار العدالة الجنائية، وإنما يقدم مجموعة خيارات يمكن أخذها في الاعتبار عند بناء هذا الإطار، مع تقييم مزايا وعيوب كل خيار من هذه الخيارات.
ويبدي التقرير الرغبة والاستعداد للتعاون مع" اللجنة الوطنية للعدالة الانتقالية" في إطار شراكة على الطريق الطويل نحو المساءلة المرتكزة على احترام حقوق الإنسان وضمانات المحاكمة العادلة، والعدالة التي تضع الضحايا في صميم اهتماماتها وعدم التمييز والشفافية، والرقابة، وبناء القدرات المؤسسية، فضلاً عن المشاركة الشاملة للضحايا والأسر والمجتمع المدني.
وذكر المركز السوري للإعلام وحرية التعبير في بيان أن" هذا العمل يضع بالحسبان الحاجة الماسة إلى الدعم، ويقيم الأدوار المحتملة التي يمكن أن تضطلع بها الهيئات الحكومية، ومجتمعات الضحايا والناجين ومنظمات المجتمع المدني، والجهات الفاعلة الدولية، ويمكن أن تضمن مشاركة هذه الأطراف بأن تكون عملية العدالة الجنائية شاملة وتشاركية ومملوكة وطنياً يدعمها الشركاء الدوليون، ولكن من دون أن تسير بتوجيههم".
في غضون ذلك تعد انطلاق المحاكمات في دمشق لأحد أبرز أركان النظام عاطف نجيب بداية لتطبيق العدالة التي ينتظرها بفارغ الصبر الشعب السوري الذي شهد على حقبة دامية أوغلت خلالها عائلة الأسد بالقتل والدماء بسبب استئثارها بالسلطة لأكثر من 5 عقود، لكن الحرب الأخيرة أودت بحياة 528.
500 شخص تقريباً منذ عام 2011، وفق ما أفاد به المرصد السوري لحقوق الإنسان.
وتحاول وزارة العدل بذل أقصى الجهود عبر السلك القضائي لتطبيق العدالة الانتقالية على رغم كثير من الحاجات ومنها تحديث القوانين والأنظمة، لكنها تحاول في هذه الفترة إطلاق المحاكمات.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)ولعل إدانة بشار الأسد على جرائمه ومطالبة الإنتربول الدولي بتسليمه، تعد من قبل مراقبين أولى تلك الخطوات، بالتوازي مع التواصل الدولي، ولا سيما مع محكمة العدل الدولية في لاهاي الهولندية، حيث شهد" قصر السلام" حضور وزير العدل السوري مظهر الويس لمؤتمر" العدالة، ثم يتبعها الاستقرار" وعقد اجتماعات مطولة مع كل من منظمة" حظر الأسلحة الكيماوية"، ونظيره الهولندي، وعدد من المنظمات الدولية المعنية بالعدالة.
في المقابل لفت المدير التنفيذي لمنظمة" سوريون من أجل العدالة والحقيقية" بسام الأحمد إلى نقطة ترتبط بالتوافق بين القانون الدولي، والقوانين السورية، إذ إن ليس لدى القضاء السوري القدرة على تقديم ضمان مساءلة جنائية تتوافق مع القانون الدولي، وفق رأيه.
وأردف أن" النظام القضائي يحتاج إلى تطوير وإصلاح وأخذ الاعتبارات الأساسية، ولا بد أن يتوافق مع القوانين الدولية وهو أمر مهم وأساسي، نظراً إلى افتقار النظام القضائي لضمانات المساءلة الجنائية".
ويذكر أنه عمل على تنسيق وصياغة تقرير" مسارات المساءلة الجنائية" كل من الدكتورة ياسمين نحلاوي من" دار العدالة"، ومهند شرباتي من" المركز السوري للإعلام وحرية التعبير"، وفيرونيكا بلينتاني من" البرنامج السوري للتطوير القانوني".
وأسهمت أيضاً منظمات المجتمع المدني البالغ عددها 27، وهي: " عدالتي"، و" رابطة عائلات قيصر"، و" دار العدالة"، و" دولتي"، و" حملة لا تخنقوا الحقيقة"، و" عائلات من أجل الحقيقة والعدالة"، و" عائلات من أجل الحرية"، و" حقوقيات"، و" رابطة لايلون للضحايا"، و" محامون وأطباء من أجل حقوق الإنسان"، و" ميمونك"، و" سين من أجل السلام الأهلي"، و" رابطة سينرجي للضحايا"، و" المنتدى السوري"، و" الشبكة السورية لحقوق الإنسان"، و" سوريون من أجل العدالة والحقيقة"، و" مبادرة تعافي"، و" رابطة ضحايا الأسلحة الكيماوية"، و" اليوم التالي"، و" الحملة من أجل سوريا"، و" المركز السوري لحرية الإعلام والتعبير"، و" البرنامج السوري للتطوير القانوني"، و" المسارات التحويلية"، و" حراس الحقيقة"، و" خيمة الحقيقة" (جرمانا)، و" حيمة الحقيقة" (سلمية)، و" النساء الآن من أجل التنمية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك