في وقت حرم فيه عشرات الملايين من الإيرانيين، بأوامر صادرة عن مسؤولي النظام، ولليوم الـ75 على التوالي، من أبسط متطلبات حياتهم اليومية، بدءاً من التواصل مع عائلاتهم والوصول إلى الأخبار، وصولاً إلى مواصلة أنشطتهم المهنية والدراسية، واضطر كثير منهم إلى اللجوء إلى برامج كسر الحجب المدفوعة لتجاوز القيود الواسعة المفروضة على الإنترنت، تشير التقارير والتقديرات المتداولة إلى أن سوق بيع خدمات الـVPN، والإنترنت الفضائي، وشرائح الاتصال الأجنبية، وأنواع الوصول الخاصة إلى الشبكة، تحولت إلى واحدة من أكثر القطاعات ربحية ضمن الاقتصاد الخفي للنظام الإيراني.
وتشهد هذه السوق ازدهاراً متسارعاً في وقت فرضت فيه السلطات الإيرانية، عقب الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت في يناير (كانون الثاني) الماضي، وفي ظل استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، والنظام الإيراني من جهة أخرى، أشد القيود على الإنترنت منذ سنوات.
وفي المرحلة الأولى، جرى تعطيل الوصول العام إلى شبكة الإنترنت وإيقاف جميع برامج كسر الحجب الشائعة بصورة شبه كاملة، قبل أن يسمح لاحقاً بالاتصال عبر عدد محدود من التهيئات الخاصة المعروفة بـ" الكونفيغ" (Config)، وتتاح هذه التهيئات، في الغالب، عبر شبكات مرتبطة بـالحرس الثوري الإيراني ووزارة الاتصالات، في مقابل مبالغ مالية مرتفعة.
وأدى هذا الوضع إلى شلل واسع طاول عشرات الملايين من الأفراد ومئات الشركات في مختلف أنحاء إيران، إلا أن القيود ذاتها التي عطلت حياة المواطنين اليومية، خلقت في المقابل سوقاً ضخمة لبيع أدوات الوصول إلى الإنترنت الحر، تقدر قيمتها بمئات آلاف المليارات من التومانات.
ويؤكد ناشطون في قطاع التكنولوجيا وعدد من الخبراء أن استمرار هذا النشاط بهذا الحجم لا يمكن أن يتم من دون دعم مباشر أو غض طرف من الأجهزة الأمنية والشبكات المرتبطة بـالحرس الثوري الإيراني.
وكان عضو لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإسلامي الإيراني، أحمد بخشايش أردستاني، صرح في ديسمبر (كانون الأول) 2025، بأن الأرباح السنوية الناتجة من بيع برامج كسر الحجب في إيران لا تقل عن 300 ألف مليار تومان، أي ما يعادل 2 مليار دولار أميركي.
غير أن الأسعار الحالية، التي تباع بموجبها خدمات الـVPN وفق نظام احتساب بالغيغابايت، وبأسعار تتراوح بين 250 و400 ألف تومان (أي ما بين 1.
7 و2.
7 دولار) لكل غيغابايت، تشير إلى أن عائدات الجهات والشخصيات المرتبطة بالحكومة والناشطة في هذه السوق قد تضاعفت مرات عدة مقارنة بالتقديرات السابقة.
من القمع الرقمي إلى الاقتصاد الرقمي الموازييقول خبراء في تكنولوجيا المعلومات إن النظام الإيراني عمل، على مدى السنوات الماضية، على بناء ما يمكن وصفه بـ" اقتصاد القمع الرقمي"، إذ تعمد السلطات أولاً إلى تقييد الوصول الحر إلى الإنترنت، ثم تعيد بيع وسائل الوصول نفسها للمواطنين عبر خدمات مدفوعة وغير رسمية.
وتمتد هذه السوق على نطاق واسع، بدءاً من بيع اشتراكات برامج كسر الحجب وخدمات الـVPN، وبيع التهيئات الخاصة المخصصة لتجاوز الرقابة الإلكترونية، ومروراً بتوفير شرائح اتصال لدول مجاورة مثل تركيا والعراق والإمارات العربية المتحدة، وصولاً إلى بيع معدات وخدمات الإنترنت الفضائي التابعة لـStarlink، فضلاً عن منح وصول خاص وغير مقيد لبعض المؤسسات والشخصيات المرتبطة بالسلطة.
ونتيجة لذلك، تحول الإنترنت الحر، الذي يعد في كثير من الدول من أبسط الحقوق المدنية، إلى سلعة باهظة الثمن ومحصورة بفئات محددة داخل إيران.
وعلى رغم صعوبة تحديد القيمة الدقيقة لسوق برامج كسر الحجب في إيران، تشير بعض التقديرات إلى أن حجم التداول السنوي فيه يتجاوز مليار دولار.
فعلى سبيل المثال، إذا اضطر ما بين 15 و20 مليون مستخدم إيراني، في ظل الظروف الحالية، إلى إنفاق ما معدله بين خمسة و10 دولارات شهرياً على خدمات الـVPN وأدوات تجاوز الحجب، فإن قيمة هذه السوق قد تصل إلى نحو مليارين و400 مليون دولار سنوياً.
ويقول صاحب متجر إلكتروني في طهران لصحيفة" اندبندنت فارسية" إنه" من أجل أن أتمكن فقط من مواصلة عملي، دفعت خلال الشهر الماضي أكثر من 20 مليون تومان (134 دولار) في مقابل خدمات كسر الحجب.
لقد قطعوا الإنترنت أولاً، ثم أجبرونا على الدفع مجدداً في مقابل استعادته".
لماذا يطرح اسم الحرس الثوري؟تشير تصريحات عدد من المسؤولين الحكوميين وأعضاء البرلمان، بجانب ناشطين في قطاع التكنولوجيا، إلى أن سوقاً بهذا الحجم والانتشار لا يمكن أن تعمل بهذه العلنية من دون ارتباط مباشر أو غير مباشر بمؤسسات أمنية نافذة.
وفي أحد الأمثلة، أقر عضو اللجنة الثقافية في البرلمان الإيراني جواد نيك بين، في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، قائلاً" أقولها بصراحة: من يكتبون برامج الحجب هم أنفسهم من يكتبون برامج الـVPN، والشخص الذي يضع منظومة التصفية، يبيع الـVPN بنفسه مباشرة أو عبر وسطاء".
ولهذا السبب، تمكن عدد من كبار البائعين المعروفين في هذا المجال من مواصلة نشاطهم لسنوات من دون أية ملاحقات قضائية تذكر.
كما أن إدارة شبكة مالية ضخمة ومنظومة توزيع واسعة النطاق لبرامج كسر الحجب، تتطلب، وفق مراقبين، نوعاً من الحصانة المرتبطة بمراكز النفوذ داخل الدولة، وعلى رأسها الحرس الثوري الإيراني.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تداول مستخدمون على شبكات التواصل الاجتماعي وثائق منسوبة إلى المشروع التقني الذي أعده رسول جليلي وشركة" أمن افزار غستر جامعة شريف"، والمتعلق بخطة قطع الإنترنت في إيران وتنفيذ نظام تصنيف للشبكة وتطبيق ما يعرف بـ" الفلترة الذكية".
وتشير هذه الوثائق إلى أن هذه الشخصية المرتبطة بالسلطة، والعضو في الحرس الثوري الإيراني، قدم في سبتمبر (أيلول) 2025، مشروعاً إلى الأمانة العامة للمجلس الأعلى للفضاء السيبراني وشركة البنية التحتية للاتصالات، ينظر إليه بوصفه أحد المخططين الرئيسين للوضع الحالي للإنترنت في إيران، بما يشمل بيع برامج كسر الحجب المدفوعة، وتوفير ما يعرف بـ" الشرائح البيضاء" لفئات محددة تتمتع بوصول غير مقيد إلى الشبكة.
وصول خاص للمقربين من السلطةفي الوقت الذي يضطر فيه المواطنون العاديون إلى دفع مبالغ باهظة للوصول إلى الإنترنت الحر، تشير تقارير متعددة إلى أن شخصيات داعمة لـلحرس الثوري الإيراني، إلى جانب بعض المؤسسات والبنوك والشركات المرتبطة بالسلطة، تتمتع بإمكان الوصول إلى إنترنت سريع وغير خاضع للقيود.
ويصف منتقدون هذا الواقع بـ" الإنترنت الطبقي"، في إشارة إلى اتساع الفجوة بين عامة الإيرانيين والجهات المرتبطة بالنظام.
ومنذ اندلاع الاحتجاجات الواسعة في يناير الماضي، تحولت عمليات قطع الإنترنت وتقييده إلى واحدة من أبرز أدوات القمع، إذ أدت الاضطرابات الواسعة التي طاولت شبكات التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة إلى حرمان المحتجين من التنسيق وتبادل المعلومات.
وفي المقابل، ارتفع الطلب بصورة غير مسبوقة على برامج كسر الحجب والخدمات البديلة، مما أدى إلى تضاعف أسعار اشتراكات عدد من خدمات الـVPN، بالتزامن مع ازدهار سوق بيع أجهزة Starlink وشرائح الاتصال الأجنبية.
وبذلك، لم يقتصر أثر القمع السياسي على تحميل المجتمع كلفة باهظة، بل تحول أيضاً إلى مصدر أرباح ضخمة للشبكات التي تستفيد من هذه القيود.
شركات تكبدت الخسارة مرتينتقول عدد من الشركات العاملة عبر الإنترنت إنها تضررت أولاً من الانقطاع الكامل للشبكة، ثم اضطرت لاحقاً إلى تحمل نفقات إضافية لمواصلة أعمالها.
ويقول مدير شركة ناشئة صغيرة في مدينة شيراز، " تراجعت مبيعاتنا، واضطررنا في الوقت نفسه إلى شراء خدمات VPN لجميع أعضاء الفريق.
أي أننا خسرنا بسبب قطع الإنترنت، ثم دفعنا المال لمعالجة المشكلة نفسها.
الأمر يشبه أن يقوم شخص بإغلاق الطريق، ثم يطلب منك المال لإعادة فتحه".
وفي ظل التضخم المتسارع والانخفاض الحاد في قيمة العملة الوطنية، بات الإنفاق المستمر على برامج كسر الحجب وأدوات تجاوز القيود عبئاً مالياً جديداً يثقل كاهل العائلات الإيرانية.
ويقول مدرس يقيم في مدينة رشت، " أصبح الإنترنت الحر بالنسبة إلينا أشبه بسلعة فاخرة.
إذا لم تكن تملك المال، فأنت عملياً معزول عن جزء كبير من العالم".
يرى منتقدون أن من أكثر الجوانب قسوة في الوضع الحالي أن تقييد الإنترنت تحول، في الوقت نفسه، إلى أداة للسيطرة السياسية ومصدر لتحقيق الأرباح.
ووفق هذا النموذج، تعمد السلطات أولاً إلى تعطيل الوصول الحر إلى الشبكة، ثم تعيد توفير هذا الوصول بصورة غير مباشرة وبكلفة مرتفعة.
يقول أحد الناشطين في قطاع التكنولوجيا لصحيفة" اندبندنت فارسية" إن" الأمر لا يتعلق بالرقابة الإلكترونية فقط، بل بمنظومة اقتصادية متكاملة.
يتم حرمان الناس من الإنترنت، وخلق حالة من الندرة، ثم بيع ما يفترض أنه حق طبيعي للمواطنين في مقابل أرباح هائلة".
وبالنسبة إلى ملايين الإيرانيين الذين يعيشون منذ أشهر تحت وطأة الانقطاع الواسع واضطرابات الإنترنت، فإن هذا الواقع يعكس، أكثر من أي شيء آخر، حقيقة أن القيود والقمع في النظام الإيراني يمكن أن يتحولا بدورهما إلى نشاط اقتصادي شديد الربحية يخدم بنية السلطة.
نقلاً عن" اندبندنت فارسية".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك